الرئيسية     نداء الى العالم     مختارات مترجمة    الارشيف     اتصل بنا
الخوف والرجاء


اللهم صل على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه وسلم تسليما


الخوف من انفع العبادات القلبية لِما يؤثره في سلوك المسلم وهمته وهو : ( تألم القلب واحتراقه بسبب توقع مكروه في الاستقبال )( 1) . قال الله تبارك وتعالى : فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ( 2) وقال تعالى : وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ ( 3) وقال جل من قائل : إِنَّ الَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ  وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ وَالَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ ( 4) وقالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها : يا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم في هذه الآية : وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا هو الذي يسرق ويزني ويشرب الخمر ؟ قال صلى الله تعالى عليه وسلم : لا يا بنت أبي بكر ، يا بنت الصديق ، ولكنه الذي يصلي ويصوم ويتصدق وهو يخاف الله عز وجل ( 5) . وقال الحسن البصري في هذه الآية : ( عملوا والله بالطاعات واجتهدوا فيها وخافوا أن ترد عليهم ، إن المؤمن جمع أحساناً وخشية ، والمنافق جمع إساءة وأمناً ) . والخشية والخوف قريبة معانيهما ، لكن الخشية اخص من الخوف ، فإن الخشية للعلماء بالله ، قال سبحانه : إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء ( 6) فهي خوف مقرون بمعرفة .

فضل البكاء من خوف الله وخشيته :

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم : لا يلج النار رجل بكى من خشية الله حتى يعود اللبن في الضرع . وكان محمد بن المنكدر ( ت 130 ) إذا بكى مسح وجهه ولحيته من دموعه ويقول : بلغني أن النار لا تأكل موضعاً مسته الدموع . وقال كعب الأحبار رحمه الله تعالى : لأن ابكي من خشية الله أحب إلي من أن أتصدق بوزني ذهباً .
ومن أقوال السلف الصالح في الخوف :
• الخوف سوط الله يُقوِّم به الشاردين عن بابه .
• إذا سكن الخوف القلوب احرق مواضع الشهوات منها ، وطرد الدنيا عنها .
• صدق الخوف هو الورع عن الآثام ظاهراً وباطناً .
• الخوف المحمود ما حجزك عن محارم الله .
• ليس الخوف من يبكي ويمسح عينيه بل من يترك ما يخاف ان يعاقب عليه .
• من خاف الله لم يضره احد ، ومن خاف غير الله لم ينفعه احد .
• ما استعان عبد على دينه بمثل الخشية من الله .
مم يخاف العبد الصالح :
يخاف العبد الصالح على نفسه الكفر والنفاق . ويخاف على نفسه سوء الخاتمة . ويخاف على نفسه من المعاصي . ويخاف الموت قبل التوبة . ويخاف نقض التوبة ونكث العهد مع الله . ويخاف الاغترار بزخارف الدنيا .
صور من خوف النبي صلى الله تعالى عليه وسلم والصالحين من أمته :
عن انس رضي الله تعالى عنه قال : خطب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم خطبة ما سمعت مثلها قط ، فقال : لو تعلمون ما اعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً ، روت عائشة رضي الله عنها ان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم : ( كان إذا رأى غيماً أو ريحاً عرف في وجهه ، قالت يا رسول الله ! إن الناس إذا رأوا الغيم فرحوا رجاء أن يكون فيه المطر ، واراك إذا رايته عرف في وجهك الكراهية ، فقال صلى الله تعالى عليه وسلم : يا عائشة ! ما يؤمنني أن يكون فيه عذاب ؟ عذب قوم بالريح ، وقد رأى قوم العذاب فقالوا : هذا عارض ممطرنا ، وكان صلى الله تعالى عليه وسلم إذا دخل في الصلاة سمع لصدره أزيز كأزيز المرجل .
وعن الحسن البصري قال كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يمر بالآية في ورده فتخنقه العبرة فيبكي حتى يسقط ، ثم يلزم بيته حتى يعاد يحسبونه مريضاً . ومر يوماً بدار إنسان وهو يصلي ويقرأ سورة ( والطور ) فوقف يسمع ، فلما بلغ قوله : إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ مَا لَهُ مِن دَافِعٍ نزل عن حماره واستند إلى حائط ومكث زماناً ورجع إلى منزله فمرض شهراً يعوده الناس ولا يدرون ما مرضه .
وسلم عليا (كرم الله وجهه) يوماً من صلاة الفجر وقد علاه كآبة ، فقال وهو يقلب يده : ( لقد رأيت أصحاب محمد صلى الله تعالى عليه وسلم فلم أر اليوم شيئاً يشبههم ، لقد كانوا يصبحون شعثاً صفراً غبراً ، بين أعينهم أمثال ركب المعزى( 7) ، قد باتوا لله سجداً وقياماً ، ويتلون كتاب الله ، يراوحون بين جباههم وأقدامهم ، فإذا أصبحوا ذكروا الله فمادوا كما يميد الشجر في يوم الريح ، وهملت أعينهم بالدموع حتى تبل ثيابهم ، والله كأني بالقوم باتوا غافلين ، ثم قام فما رُئي بعد ذلك ضاحكاً حتى ضربه ابن ملجم ) .
وكان محمد بن المنكدر : قد قام ليلة يصلي فبكى ، وكثر بكاؤه حتى فزع له أهله وسألوه فلم يفهموا منه ، وتمادى في البكاء ، فأرسلوا إلى أبي حازم سلمة بن دينار ( ت 140 هـ ) فجاء إليه فقال : ما الذي أبكاك ؟ قال : مرّت بي آية ، قال ما هي ؟ قال : وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ ( 8) فبكى أبو حازم معه فاشتد بكاؤهما .
وكان الإمام الترمذي ( ت 279 هـ ) قد بكى حتى عمي ، وبقي سنين ضريراً .
وهذا شيخ الإسلام عبد الله بن وهب المصري الحافظ قد قرئ عليه كتاب من تأليفه وهو أهوال القيامة فخر مغشياً عليه ، فلم يتكلم بكلمة حتى مات بعد أيام رحمه الله تعالى .
الخوف المحمود المطلوب : وهو الخوف المحمود الصادق ما حال بين صاحبه وبين محارم الله عز وجل ، فإذا تجاوز ذلك خيف منه اليأس والقنوط . والقلب في سيره إلى الله عز وجل بمنزلة الخوف من الله تعالى ، فالخوف والرجاء جناحاه ، فمتى سلم الرأس والجناح فالطائر جيد الطيران ، ومتى قطع الرأس مات الطائر ، ومتى فقد الجناحان فهو عرضة لكل صائد وكاسر .

الرجاء :

وهو الاستبشار بجود وفضل الله تبارك وتعالى ، والارتياح لمطالعة كرمه سبحانه ، وقيل هو الثقة بجود الرب تعالى ، وهو ثلاثة أنواع :
النوع الأول : رجاء رجل عمل بطاعة الله على نور من الله فهو راج ثوابه .
النوع الثاني : ورجل أذنب ذنوباً ثم تاب منها فهو راج لمغفرة الله تعالى وعفوه وإحسانه وجوده وحلمه وكرمه .
النوع الثالث : رجل متماد في التفريط والخطايا يرجو رحمة الله بلا عمل .
أما النوعان الأولان فمحمودان ، وأما الثالث فهو الغرور والتمني والرجاء الكاذب .
قال تعالى : فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً ( 9) . وقد وردت أحاديث كثيرة في ذكر الرجاء وفضله فمن ذلك ما جاء عن انس رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقول : قال الله تبارك وتعالى : يا بن ادم ! إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان فيك ولا أبالي ، يا ابن ادم ! لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي ، يا بن ادم ! إنك لو أتيتني بقراب الأرض( 10) خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة ، وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال : قال الله عز وجل : أنا عند ظن عبدي بي
منزلة الرجاء : الرجاء من أجّل المنازل وأعلاها وأشرفها ، وعليه وعلى الحب والخوف مدار السير إلى الله ، ولولا روح الرجاء لعطلت عبودية القلب والجوارح ، بل لولا الرجاء لما تحركت بالطاعة .
وكل مسلم محتاج إلى الرجاء ، فهو دائر بين ذنب يرجو غفرانه وعيب يرجو إصلاحه ، وعمل صالح يرجو قبوله ، واستقامة يرجو حصولها ودوامها ، وقرب من الله ومنزلة عنده يرجو وصولها إليه .
ومن دوافع الرجاء :
1 ـ دفع الخوف العظيم .
2 ـ الرجاء يطيب للعبد المسير إلى الله ويحثه عليه .
3 ـ في الرجاء الانتظار والترقب والتوقع لفضل الله تعالى ، وهذا يوجب للقلب دوام التعلق بذكر الله ودوام ملاحظة أسمائه وصفاته .

العلاقة بين الرجاء والخوف :

الخوف سوط يؤدب الله تبارك وتعالى به عبده ، والرجاء مخفف للخوف حتى لا يخرج بالمؤمن إلى اليأس والقنوط . وقد استحب السلف للمسلم أن يقوي الخوف على الرجاء في حالة الصحة حتى تستقيم أموره ويبتعد عن المعاصي ، لكن إذا نزل به الموت فعليه أن يقوي جانب في رحمة الله تعالى وعفوه ، فعن جابر  انه سمع النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قبل انتقاله بثلاثة أيام يقول : لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله عز و جل ، وعن انس  أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم دخل على شاب وهو في الموت فقال له صلى الله تعالى عليه وسلم : ] كيف تجدك ؟ [ قال : يا رسول الله ! إني أرجو الله وإني أخاف ذنوبي . فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ] لا يجتمعان في قلب عبد في مثل هذه المواطن إلا أعطاه الله ما يرجو وأمّنه مما يخاف [ وقال الفُضَيل : الخوف أفضل من الرجاء ما دام الرجل صحيحاً فإذا نزل به الموت فالرجاء أفضل .

حال بعض السلف الصالح عند الاحتضار من الرجاء بعد الخوف :

وحضرت بلالاً  الوفاة فقالت امرأته : واحزناه ، قال بلال : بل واطّرَباه غداً نلقى الأحبة محمداً وحزبه .
وقال معاذ  عند الاحتضار : اللهم إني قد كنت أخافك وأنا اليوم أرجوك .
وهذا مكحول الشامي من كبار التابعين كان قد غلب عليه الحزن فدخلوا عليه في مرض الموت وهو يضحك فقيل له في ذلك ، فقال : ولم لا اضحك وقد دنا فراق من كنت احذره ، وسرعة القدوم على من كنت ارجوه وأؤمله .
ولما حضر آدم بن أبي إياس الوفاةُ وكان شيخ الشام وإماماً حافظاً قدوة توفي سنة 220- ختم القران وهو مُسَجّى ، ثم قال : بحبي لك إلا رفقت بي في هذا المصرع ، كنت أؤملك لهذا ، كنت أرجوك ثم قال لا اله إلا الله ثم قضى .
وفتح عبد الله بن المبارك عينه عند الوفاة وضحك وقال : لمثل هذا فليعمل العاملون .
أسير الخطايا عند بابك واقف
                          على وجل مما أنت به عارفُ
يخاف ذنوباً لم يغب عنك غَيبُها
                          ويرجوك فيها فهو راج وخائفُ
ومن ذا الذي يرجو سواك ويتقي
                         وما لك في فصل القضاء مخالف
فيا سيدي لا تخزني في صحيفتي
                       إذا نشرت يوم الحساب الصحائفُ ( 11) 


الهوامش:-
[1] - إتحاف السادة المتقين ج 11 ص 383 .
[2] - آل عمران 175 . [3] - البقرة 40 [4] - المؤمنون 57 – 61 . [5] - أخرجه الإمام احمد في مسنده وإسناده صحيح انظر الفتح الرباني – 18 / 216 . [6] - فاطر 82 . [7] - أي من خشونتها . [8] - الزمر 47 . [9] - الكهف 110 . [10] - ما يقارب ملء الأرض . [11] - من كتاب العبادات القلبية وأثرها في حياة المؤمنين _ د. محمد موسى الشريف ص 116 – 128 .  تأريخ النشر : 22-6-2013
الرجوع الى بداية الصفحة     نسخة للطباعة
الاسم: عبد الرحمن أسامة القدومي      البلد: الأردن       التاريخ: 25-03-2016
والله انه مفيد جدا مشكور يا شيخ


أضف تعليقا
الاسم
البلد
البريد الالكتروني
التعليق
اكتب الارقام الظاهرة في الصورة