الرئيسية     نداء الى العالم     مختارات مترجمة    الارشيف     اتصل بنا
مداواة النفوس وإصلاح الأخلاق



لذة العاقل بتمييزه ، ولذة العالم بعلمه ، ولذة الحكيم بحكمته ، ولذة المجتهد لله عز وجل باجتهاده ، أعظم من لذة الآكل بأكله ، والشارب بشربه ، والواطيء بوطئه ، والكاسب بكسبه ، واللاعب بلعبه ، والآمر بأمره ، وبرهان ذلك : أن الحكيم العاقل والعالم والعامل واجدون لسائر اللذات التي سمينا ، كما يجدها المنهمك فيها ، ويحسونها كما يحسها المقبل عليها ، وقد تركوها وأعرضوا عنها ، وآثروا طلب الفضائل عليها ، وإنما يحكم في الشيئين من عرفهما لا من عرف أحدهما ولم يعرف الآخر .
إذا تعقبت الأمور كلها فسدت عليك ، وانتهيت في آخر فكرتك باضمحلال جميع أحوال الدنيا ، إلى أن الحقيقة إنما هي العمل للآخرة فقط ، لأن كل أمل ظفرت به فعقباه حزن ، إما بذهابه عنك ، وإما بذهابك عنه ، ولا بد من أحد هذين الشيئين ، إلا العمل لله عز وجل فعقباه على كل حال سرور في عاجل وآجل ، أما العاجل فقلة الهم بما يهتم به الناس ، وإنك به معظم من الصديق والعدو ، وأما في الآجل فالجنة .
تطلبت غرضاً يستوي الناس كلهم في استحسانه وفي طلبه ، فلم أجده إلا واحداً ، وهو طرد الهم ، فلما تدبرته علمت أن الناس كلهم لم يستووا في استحسانه فقط ، ولا في طلبه فقط ، ولكن رأيتهم على اختلاف أهوائهم ومطالبهم وتباين هممهم وإراداتهم ، لا يتحركون حركة أصلاً إلا فيما يرجون به طرد الهم ، ولا ينطقون بكلمة أصلاً إلا فيما يعانون به إزاحته عن أنفسهم ، فمن مخطيء وجه سبيله ، ومن مقارب للخطأ ، ومن مصيب ، وهو الأقل من الناس في الأقل من أموره .
فطرد الهم مذهب قد اتفقت الأمم كلها مذ خلق الله تعالى العالم إلى أن يتناهى عالم الابتداء ويعاقبه عالم الحساب على أن لا يعتمدوا بسعيهم شيئاً سواه ، وكل غرض غيره ففي الناس من لا يستحسنه ، إذ في الناس من لا دين له ، فلا يعمل للآخرة ، وفي الناس من أهل الشر من لا يريد الخير ولا الأمن ولا الحق ، وفي الناس من يؤثر الخمول بهواه وإرادته على بعد الصيت . وفي الناس من لا يريد المال ، ويؤثر عدمه على وجوده ، ككثير من الأنبياء عليهم السلام ومن تلاهم من الزهاد والفلاسفة . وفي الناس من يبغض اللذات بطبعه ، ويستنقص طالبها كمن ذكرنا من المؤثرين فقد المال على اقتنائه ، وفي الناس من يؤثر الجهل على العلم كأكثر من ترى من العامة ، وهذه هي أغراض الناس التي لا غرض لهم سواها .
وليس في العالم مذ كان إلى أن يتناهى أحد يستحسن الهم ولا يريد طرده عن نفسه . فلما استقر في نفسي هذا العلم الرفيع ، وانكشف لي هذا السر العجيب ، وأنار الله تعالى لفكري هذا الكنز العظيم ، بحثت عن سبيل موصلة على الحقيقة إلى طرد الهم الذي هو المطلوب للنفس الذي اتفق جميع أنواع الإنسان الجاهل منهم والعالم ، والصالح والطالح على السعي له ، فلم أجدها إلا التوجه إلى الله عز وجل بالعمل للآخرة . وإلا فإنما طلب المال طلابه ، ليطردوا به هم الفقر عن أنفسهم ، وإنما طلب الصوت من طلبه ، ليطرد به عن نفسه هم الاستعلاء عليها . وإنما طلبت اللذات من طلبها ، ليطرد بها عن نفسه هم فوتها ، وإنما طلب العلم من طلبه ، ليطرد به عن نفسه هم الجهل ، وإنما هش إلى سماع الأخبار ومحادثة الناس من يطلب ذلك ، ليطرد بها عن نفسه هم التوحد ، ومغيب أحوال العالم عنه ، وإنما أكل من أكل ، وشرب من شرب ، ونكح من نكح ، ولبس من لبس ، ولعب من لعب ، واكتن من اكتن وركب من ركب ، ومشى من مشى ، وتودع من تودع ، ليطردوا عن أنفسهم أضداد هذه الأفعال وسائر الهموم . وفي كل ما ذكرنا لمن تدبره هموم حادثة ، لا بد لها من عوارض تعرض في خلالها ، وتعذر ما يتعذر منها ، وذهاب ما يوجد منها ، والعجز عنه لبعض الآفات الكائنة ، وأيضاً نتائج سوء تنتج بالحصول على ما حصل عليه من كل ذلك ، من خوف منافس ، أو طعن حاسد ، أو اختلاس راغب ، أو اقتناء عدو ، مع الذم والإثم ، وغير ذلك .
ووجدت للعمل للآخرة سالماً من كل عيب خالصاً من كل كدر موصلاً إلى طرد الهم على الحقيقة ، ووجدت العامل للآخرة أن امتحن بمكروه في تلك السبيل لم يهتم بل يسر ، إذ رجاؤه في عاقبة ما ينال به عون له على ما يطلب ، وزايد في الغرض الذي إياه يقصد . ووجدته إن عاقه عما هو بسبيله عائق لم يهتم ، إذ ليس مؤاخذاً بذلك ، فهو غير مؤثر في ما يطلب . ورأيته إن قصد بالأذى سر ، وإن نكبته نكبة سر ، وإن تعب فيما سلك فيه سر ، فهو في سرور متصل أبداً ، وغيره بخلاف ذلك أبداً . فاعلم أنه مطلوب واحد ، وهو طرد الهم ، وليس إليه إلا طريق واحد ، وهو العمل لله تعالى ، فما عدا هذا فضلال وسخف .
لا تبذل نفسك إلا فيما هو أعلى منها ، وليس ذلك إلا في ذات الله عز وجل في دعاء إلى حق ، وفي حماية الحريم ، وفي دفع هوان لم يوجبه عليك خالقك تعالى ، وفي نصر مظلوم . وباذل نفسه في عرض دنيا ، كبائع الياقوت بالحصى . لا مروءة لمن لا دين له . العاقل لا يرى لنفسه ثمناً إلا الجنة . لإبليس في ذم الرياء حبالة ، وذلك أنه رب ممتنع من فعل خير خوف أن يظن به الرياء .


من كتاب الأخلاق والسير لابن حزم - ج1ص1-2
الرجوع الى بداية الصفحة     نسخة للطباعة
الاسم: درویش      البلد: ایران       التاريخ: 11-02-2013
سلام علیکم ورحمت الله وبرکاته موجب امتنان است اگرکه درصورت امکان مختارات ترجمه به فارسی تازه ومطالب جدیدعنوان بشود.

الاسم: عبد الكريم نجم      البلد: فلسطين       التاريخ: 12-02-2013
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل على سيدنا محمد الوصف و الوحي و الرسالة و الحكمة و على آله و صحبه و سلم تسليما

الحمد لله الذي هدانا الى أهل حضرته الكسنزان ليدلونا الى ما فيه خير حياتنا و مآلنا ، فهم العارفين المؤتمنين على رعيتهم الخائفين عليهم خوف الاب الحنون على ذريته فيطلب لهم خير الدنيا و الآخرة
، وما كانت لحبائل ابليس عليهم من سبيل .
اللهم ثبتنا على نهجهم وهداهم الذي تشربوه من حضرة سيد الانبياء سيدنا محمد الوصف و الوحي و الرسالة و الحكمة ، صلى الله تعالى عليه و على آله و سلم تسليما .

الاسم: منير نعمان عايد      البلد: عراقي - مقيم في الامارات       التاريخ: 13-02-2013

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على اشرف خلق الله سيدنا ابو القاسم محمد وعلى اله وصحبه وسلم تسليما .
اللهم اهدنا صراطك المستقيم ، وانعم علينا بالخير والعافية وثبتنا على حبك وحب من يحبك وكل عمل يقربنا الى حبك ونعوذ بك من شرور نفوسنا وعجبها .
وصلي اللهم على سيدنا محمد الوصف والوحي والرسالة والحكمة وعلى اله وصحبه وسلم تسليما .


أضف تعليقا
الاسم
البلد
البريد الالكتروني
التعليق
اكتب الارقام الظاهرة في الصورة