الرئيسية     نداء الى العالم     مختارات مترجمة    الارشيف     اتصل بنا
مشروعية الاستعانة والتوسل والوسيلة من صريح الكتاب وصحيح السنة (ج2)


د. علي جمعة / مفتي الديار المصرية

روى مسلم في صحيحه عن ربيعة بن كعب الأسلمي (رضي الله عنه) قال : (كنت أبيت مع رسول الله () ، فأتيته بوضوئه وحاجته ، فقال لي : سل ، فقلت : أسألك مرافقتك في الجنة قال : أو غير ذلك ؟ قلت : هو ذاك ، قال : فأعني على نفسك بكثرة السجود ) ويلاحظ أن رسول الله () لم يقل له : أشركت حين سأله مرافقته في الجنة ولم يصحح له عبارته بل قبلها منه () . ومن هذا يتضح أن الله بحكمته جعل الأنبياء والأولياء والصالحين سبباً ومفتاحاً لأنواع من الخير في الدنيا والآخرة ، والمؤمن الموحد يسألهم إنما يسألهم قضاء حاجته سواء أكانت دنيوية أم أخروية من هذا المنطلق .
وقد يلبس بعض الناس على الضعفاء في قوله () : وإذا استعنت فاستعن بالله فيتوهمون ويوهمون أنه لا يصح الاستعانة بما سوى الله ، ويجعلون هذا من الشرك المخرج عن الملة ، وقد أبدوا في ذلك وأعادوا بما طوعت لهم أهواؤهم وأوهامهم عندما احتجوا بقول الله تعالى : وإياك نستعين الفاتحة : 4 ، ولكن المقصود بالنفي هنا ما فيه الاستعانة بغيره عز وجل على أن ذلك الغير رب ، وأما ذلك الحديث الشريف فليس المقصود به النهي عن الاستغاثة بما سوى الله وإنما معناه النهى عن الغفلة عن أن ما كان من الخير على يد الأسباب فهو من الله وفيه الأمر بالانتباه إلى أن ما كان من نعمة على يد المخلوقات فهو من الله وبالله .
فالمعنى وإذا أردت الاستعانة بأحد من المخلوقين ولا بد لك منها ، فاجعل كل اعتمادك على الله وحده ، ولا تحجبك الأسباب عن رؤية المسبب (عز و جل) ، ولا تكن ممن يعلمون ظاهراً من هذه الارتباطات والعلاقات بين الأشياء المرتب بعضها على بعض ، وهم عن الذي ربط بينها غافلون ، وقد أومأ هذا الحديث نفسه إلى هذا المعنى وإذا في قوله () عقب هذه الجملة الشريفة واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك ، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك فأثبت لهم كما نرى نفعاً وضراً بما كتبه الله للعبد أو عليه فهذا منه () يوضح لنا مراده () بهذا التعليم الشريف وكيف ننكر الاستغاثة بغيره تعالى وقد جاء الأمر في مواضع كثيرة من الكتاب والسنة قال تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ البقرة : 15() ، وقال : وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ الأنفال : 60 ، وحكى سبحانه عن العبد الصالح ذي القرنين قوله : فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ الكهف : 95 ، وفي مشروعية صلاة الخوف الثابتة بالكتاب والسنة مشروعية استعانة بعض الخلق ببعض كما هو واضح ، وكذلك في أمره تعالى المؤمنين بأن يأخذوا حذرهم من عدوهم ، وكذلك في ترغيبه في قضاء حوائج بعضهم بعضاً ، والتيسير على المعسر ، والتفريج عن المكروب ، وفي ترهيبه من إهمال ذلك وهو في السنة كثير .
روى الشيخان وغيرهما عنه () أنه قال : ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته الحديث وروى مسلم وأبو داود وغيرهما عنه () قال : والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه وقال () : ما من عبد أنعم الله عليه نعمة فأسبغها عليه ثم جعل من حوائج الناس إليه فتبرم فقد عرض تلك النعمة للزوال .
أخرجه الطبراني بإسناد جيد وأخرج أيضاً عنه () إن لله خلقاً خلقهم لحوائج الناس يفزع الناس إليهم في حوائجهم أولئك الآمنون من عذاب الله فانظر إلى قوله () : يفزع الناس إليهم في حوائجهم ولم يجعلهم مشركين بل ولا عاصين وروى أيضاً مرفوعاً إن لله عند أقوام نعماً يقرها عندهم ما كانوا في حوائج الناس ، ما لم يملوهم فإذا ملوهم نقلها من عندهم إلى غيرهم أخرجه الطبراني في الأوسط .
وقال () : لأن يمشى أحدكم مع أخيه في قضاء حاجته وأشار بأصبعه أفضل من أن يعتكف في مسجدي هذا شهرين أخرجه الحاكم وقال : صحيح الإسناد .
ومما استحبه فقهاء الملة ومحدثوها للمسافر إذا انفلتت دابته في الفلاة وهي الصحراء الواسعة أن ينادي بصوت عال فيقول : يا عباد الله احبسوا مرتين أو ثلاثاً لما روى في ذلك عنه () قال : إذا انفلتت دابة أحدكم بأرض فلاة فليناد : يا عباد الله احبسوا عليّ ، فإن الله تعالى في الأرض حاضراً سيحبسه عليكم أخرجه أبو يعلى في مسنده وابن السنى والطبراني في الكبير عن ابن مسعود وأخرجه في الكبير أيضاً عن عتبة بن غزوان مرفوعاً بلفظ إذا أضل أحدكم شيئاً أو أراد أحدكم شيئاً وهو بأرض ليس بها أنيس فليقل يا عباد الله أغيثوني يا عباد الله أغيثوني فإن لله عباداً لا يراهم ولفظ الطبراني كما في الفيض القدير للمناوي فليقل : يا عباد الله أعينوني ثلاثاً ، قال ابن مفلح الحنبلي في كتابه الشرعية بعد ما ذكر هذا الحديث قال : عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل : سمعت أبي يقول : حججت خمس حجج فضللت الطريق وكنت ماشياً فجعلت أقول : يا عباد الله دلونا على الطريق ، فلم أزل أقول هذا حتى وقفت على الطريق . وكفى الإمام في الحديث والفقه حجة .
قال الإمام المحقق الشيخ داود البغدادي في كتابه صلح الإخوان في الصفحة الثالثة والخمسين بعد ما ذكر هذا الحديث ما نصه : فكيف جاز للعلماء الأكابر خصوصاً مثل الإمام أحمد أن يطلب من غير الله وهو غائب الدلالة على الطريق من غير أن يراه إلى أن قال : بل كيف يعلم النبي () أمته أن يطلبوا العون والدلالة من غير الله تعالى ، والله سبحانه أقرب من عباده ؟ فيكف ينادون العباد ويتركون القادر الذي بيده كل شيء ؟ ولكن النبي () أعرف بالله من جميع خلقه ، يعلم أن الله يجري الأشياء بحسب العوائد ، ولهذا ترى العبد يطلب من الله سبحانه الشيء سنين فلا يعطيه إياه حتى يسببه على يد مخلوقه ، وهذا كثير جداً ، أفيقال إن الله لا يقدر على إعطاء السائل ؟ حاشا وكلا بل ربط الأسباب بالمسببات لحكمة هو سبحانه يعلمها .
بل قد جاء في صحيح البخاري في كتاب الغسل : ( أن نبي الله موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام بينما كان يغتسل وقد وضع ثوبه على حجر إذ جرى الحجر بثوبه حين أراد أن يلبسه فجعل نبي الله يعدو خلفه وينادي الحجر فيقول : ثوبي يا حجر ) فلما وقف الحجر واستقر ، لبس ثوبه وجعل يضرب الحجر كالمؤدب له على ما صنع ، أفيقال بأن نبي الله قد أشرك إذ عدل عن نداء الله الذي هو أقرب إليه من كل شيء إلى نداء جماد ليس من شأنه أن يسمع أو يعقل ؟
وهذا هو الحبيب الأعظم () يطلب من جبل أحد قائلاً : اثبت أحد فإن عليك نبي وصديق وشهيدان فاستجاب له أحد بعد رجفته . وكان النبي هو سيدنا محمد () والصديق هو سيدنا أبو بكر (رضي الله عنه) وأما الشهيدان فهما سيدنا عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) وسيدنا عثمان بن عفان (رضي الله عنه) .
فإن قالوا : إن الجماد إذ ذاك عاقل قلنا لكنه نداء لغير الله تعالى فإذا صححوا نداء العقلاء ولم يروا فيه مانعاً ، فإن الموتى من النبيين والصالحين في برازخهم أتم حياة وأكمل عقلاً في هذه الدنيا الذين يتملقونهم ولا يرون حرجاً في الاستغاثة بهم . وفي المواهب اللدنية وكتب السير المعول عليها : أن سيدنا أبا بكر الصديق (رضي الله عنه) كان أثبت الصحابة يوم وفاة رسول الله () وكان بعضهم شاكاً في انتقاله () فدخل عليه أبو بكر وهو () مسجى بثوب أي مغطى فكشف عن وجهه وقبل ما بين عينيه وقال : بأبي أنت وأمي يا رسول الله طبت حياً وميتاً ، يا محمد اذكرنا عند ربك ، ولنكن منك على بال ، وقد ثبت أن الصحابة رضي الله عنهم كان شعارهم وهم يقاتلون المرتدين من أهل اليمامة أتباع مسيلمة الكذاب أن يقولوا : يا محمداه ، والظاهر أن ذلك لم يكن للندبة حاشاهم من ذلك ، وإنما ذلك لاستنزال نصر الله عليهم وبركته سبحانه بنداء اسم حبيبه () . وفي هذا المقام يطيب لنا أن نتذاكر هذه القصة للاستئناس والاستزادة والتأسي والاستفادة :
أخرج الطبراني في المعجم الكبير ج 9 ص 1 من طريق ابن وهب عن شبيب عن روح بن القاسم عن أبي جعفر الخطمي عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن عمه عثمان بن حنيف (رضي الله عنه) أن رجلاً كان يختلف إلى عثمان بن عفان (رضي الله عنه) في حاجة له فكان عثمان لا يلتفت إليه ولا ينظر في حاجته ، فلقي عثمان بن حنيف فشكا إليه ذلك ، فقال له عثمان بن حنيف : ائت الميضأة فتوضأ ثم ائت المسجد فصل فيه ركعتين ثم قل : اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد () نبي الرحمة ، يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي فتقضي لي حاجتي ، وتذكر حاجتك ، فانطلق الرجل فصنع ما قاله ، ثم أتى باب عثمان بن عفان (رضي الله عنه) فجاء البواب حتى أخذ بيده فأدخله على عثمان بن عفان (رضي الله عنه) فأجلسه معه على الطنفسة وقال له : ما حاجتك ؟ فذكر حاجته فقضاها له ، ثم قال (رضي الله عنه) ما كانت لك من حاجة فائتنا . ثم إن الرجل خرج من عنده فلقي عثمان بن حنيف فقال له : جزاك الله خيراً ما كان ينظر في حاجتي ولا يلتفت إليّ حتى كلمته فيّ ، فقال عثمان بن حنيف : والله ما كلمته ولكن شهدت رسول الله () وأتاه رجل ضرير فشكا إليه ذهاب بصره ، فقال له النبي () : أفتصبر ؟ فقال : يا رسول الله إنه ليس لي قائد وقد شق عليّ ، فقال له النبي () : ائت الميضأة فتوضأ ثم صل ركعتين ثم ادع بهذه الدعوات قال عثمان بن حنيف فوالله ما تفرقنا وطال بنا الحديث حتى دخل علينا الرجل وكأنه لم يكن به ضر قط . وقد يتساءل سائل لماذا توسل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) بالعباس عم النبي () عام الرمادة ؟
نعم ومن سياق القصة يتضح المغزى :
فقد أخرج البخاري في صحيحه عن أنس أن عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) كانوا إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب (رضي الله عنه) فقال : اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقنا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا ، ولما دعا العباس توسل برسول الله () حيث قال (رضي الله عنه) : اللهم إنه لم ينزل بلاء إلا بذنب ولم يكشف إلا بتوبة وقد توجه القوم بي إليك لمكاني من نبيك وهذه أيدينا إليك بالذنوب ونواصينا إليك بالتوبة واحفظ اللهم نبيك في عمه ، فأرخت السماء مثل الجبال حتى أخصبت الأرض وعاش الناس وأقبل الناس على العباس يتمسحون به ويقولون هنيئاً لك يا ساقي الحرمين ، وفي ذلك أنشد الشاعر المؤيد بروح القدس حسان بن ثابت :

سأل الإمام وقد تتابع جدبنا
فسقى الغمام بغرة العباس

عم النبي وصنو والده الذي
ورث النبي بذاك دون الناس
 
أحيا الإله به البلاد فأصبحت
مخضرة الأجناب بعد الياس

ولا يخفى على عاقل أنه كان الحق لأمير المؤمنين عمر (رضي الله عنه) في أن يوم الناس مستسقياً لهم لكنه تأخر عن حقه وقام (رضي الله عنه) وقدم العباس للاستسقاء تعظيماً لرسول الله () وتفخيماً لأهله وتقديماً لعمه على نفسه مبالغة في الإشادة بفضل أهل بيت رسول الله () وهذا هو الحبيب الأعظم () يتوسل إلى الله بذاته : فقد جاء في مناقب السيدة فاطمة بنت أسد أم الإمام علي بن أبي طالب (كرم الله وجهه) أنها لما ماتت حفر رسول الله () لحدها بيده وأخرج ترابه بيده فلما فرغ دخل رسول الله () فاضطجع فيه فقال : الله الذي يحيي ويميت وهو حي لا يموت اغفر لأمي فاطمة بنت أسد ولقنها حجتها ووسع عليها مدخلها بحق نبيك والأنبياء الذين من قبلي فإنك أرحم الراحمين وكبر عليها () أربعاً . والملاحظ هنا أيضاً أن الأنبياء الذين توسل بحقهم على الله في هذا الحديث وغيره قد ماتوا بمنطق المجادلين ، فثبت جواز التوسل إلى الله بالحق وبأهل الحق أحياء وموتى .
كما ثبت عنه () أنه توسل بحق السائلين الله معلماً ومرشداً إيانا ومنبهاً لفضل الصالحين : فعن أبي سعيد الخدري (رضي الله عنه) قال : قال رسول الله () : من خرج من بيته إلى الصلاة فقال : اللهم إني أسالك بحق السائلين عليك وبحق مماشي هذا فإني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا رياء ولا سمعة خرجت اتقاء سخط وابتغاء مرضاتك فأسألك أن تعيذني من النار وأن تغفر لي ذنوبي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت أقبل الله عليه بوجهه واستغفر له سبعون ألف ملك أخرجه ابن ماجه وأخرجه أحمد وابن خزيمة في صحيحه وأبو نعيم وابن السنى وقال العراقي في تخريج أحاديث الإحياء : حديث حسن الحافظ شرف الدين الدمياطي في المتجر الرابح : إسناده حسن وحسنه جملة من كبار حفاظ الحديث وأئمته مثل : الحافظ بن حجر وعبد الغني المقدسي وابن أبي حاتم .
فهل يبقى بعد قول هؤلاء كلام لمتكلم ؟ وهل يصح من عاقل أن يترك حكم هؤلاء الفحول من الرجال الحفاظ المتقنين إلى قول المتطفلين على موائد الحديث ؟ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ البقرة : 61 ، فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ الحج : 46 ، والصحابة رضوان الله عليهم أجمعين حين كانوا يستغيثون برسول الله () أو يطلبون منه الشفاعة أو يشكون حالهم إليه من فقر ومرض وعاهة وبلاء وجدب كانوا يعلمون أنه () لا يفعل ذلك بقوته وإنما هو عبد لله له مقامه ووجاهته وكرامته عنده وأنه مجرد سبب من أسباب الإجابة لقضاء حوائجهم فلا يعنون من الطلب إلا وساطته عند ربه بالتوجه إليه ليدعو ويشفع ومن ذلك كان موقف رسول الله () مع السائلين تارة الاستجابة لطلبهم وتارة يخيرهم بين الصبر وكشف البلاء كما خير الأعمى والمرأة التي تصرع وقتادة الذي أصيبت عيناه وتارة يقول لهم إنما يستغاث بالله وتارة يقول السيد هو الله ومرة يقول : أنا سيد ولد آدم .
وواضح من اختلاف أجوبته للسائلين أنه () كان يراعي حالة السائل حين يسأله فيجيبه بما يقضى به رسوخ الاعتقاد في قلبه مع عدم الغفلة عن الفاعل المختار ، وسد باب الاتكال على سواه ، وليس مراداً ألا يطلب ذلك إلا من الله . ومما يدل على أنه ليس القصد ألا يطلب العبد ذلك إلا من الله منعه () لمن قالوا : قوموا نستغيث برسول الله وشئت فأجابه () : أجعلتني لله نداً بل ما شاء الله .
فواضح أن الجواب كان مراعاة لحال السائل في سد باب أن يسبق إلى الظن تساوي مشيئة أحد مع مشيئة الباري وإلا فإنه () يعلم الفرق بين المشيئتين ولا يشتبه الأمر عليه وهو الذي نزل عليه كثير من الآيات فيها العطف بالواو الذي استنكره على السائل كقوله وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ التوبة : 4 ، إذ لا يشتبه معنى أغنى حين ينسب إلى الله وحين ينسب إلى الرسول () وقوله تعالى : فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ التحريم : 4 ، إذ لا يشتبه ولاية الله بولاية رسوله () أو بولاية المؤمنين وقوله تعالى : وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ التوبة : 59 ، الذي لا يشتبه الفضل حين ينسب إلى الله وحين ينسب إلى رسول الله () وكذلك لما خطب رسول الله () السيدة أم سلمة كان من جملة ما قاله وأما العيال فإلى الله ورسوله وفي رواية : إلى الله وإلى رسوله وفي رواية ثالثة وهم على الله وعلى رسوله إذ لا تشبه عناية الله ورعايته لأطفالها بعناية رسوله () ورعايته وأيضا سأل رسول الله () أبا بكر : ما أبقيت لأهلك ؟ قال أبو بكر : أبقيت لهم الله ورسوله فأقره رسول الله () على قوله . وقول الصحابة في كل ما لا يعلمونه الله ورسوله اعلم إذ لا يشتبه علم الله بعلم الرسول () .
والغاية من هذا البيان توضيح أنه لا يصح الاستدلال بنهي الرسول عن استعمال بعض الألفاظ على حرمة استعمالها : إذ الغاية من النهي عنها أحياناً كان مراعاة حال السائل بإرشاده إلى عدم الغفلة عن الفاعل المختار والى عدم اتكاله على الأسباب اتكالاً كلياً وأنه لا يغيب عن فهم المؤمن أن الصحابة حين كانوا يستغيثون برسول الله () أو يطلبون منه أمراً أو يشكون إليه حالهم أن رسول الله () حين كان يجيبهم على ما طلبوه من حاجات لم يقل لهم : إن الأمر لا يحتاج إلى وسيلة واشكوا حالكم إلى الله تعالى لأنه قريب مجيب لا حجاب بينه وبين خلقه فتوجهوا إليه بالطلب رأساً إذ من المعلوم أنه وإن كان المدعو أقرب فإن العبرة في قبول الدعاء إنما هو بأقربية الداعي كما قال تعالى : إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ المائدة : 2 ، بل قد قام () بتعليمهم أساليب التوسل بنفسه كما سبق .
وفي عهد أمير المؤمنين سيدنا عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) هجا الحطيئة الزبرقان بن بدر والحطيئة كان شاعراً مخضرماً أدرك الجاهلية والإسلام وكان هجاءً بذيئاً عنيفاً لم يسلم من لسانه أحد حتى يقال : إنه هجا أمه وأباه ونفسه أيضاً . فشكا الزبرقان الحطيئة إلى سيدنا عمر (رضي الله عنه) فأمر سيدنا عمر بسجن الحطيئة فأنشأ الحطيئة شعراً رقيقاً مؤثراً يستعطف به أمير المؤمنين قال فيه :

ماذا تقول لأفراخ بذي مرخ
زغب الحواصل لا ماء ولا شجر

ألقيت كاسبهم في قعر مظلمة
فاغفر عليك سلام الله يا عمر

فما كان من سيدنا عمر إلا أن رق له فأخرجه من محبسه ونهاه عن هجاء الناس . ونلاحظ أن سيدنا عمر لم يزجره ولم يعنفه ولم يرمه بالشرك لطلبه منه المغفرة إذ لا يشتبه على سيدنا عمر أن الذي يملك مغفرة الذنوب على الحقيقة هو الله وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ آل عمران : 1()5 ، هو الذي خول بعضاً من عباده مظهراً من ذلك ومدحهم بقوله تعالى : وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ الشورى : () ، وإذا كان هذا هو دأب الصحابة فقد سار على نهجهم ودربهم التابعون وتابعو التابعين . وها هما قطبان من أقطاب الفقه الإسلامي وهما من هما من منارات الهداية لصالحي الأمة وعقلائها : فهذا الإمام أحمد بن حنبل (رضي الله عنه) يدخل زائراً للإمام الشافعي (رضي الله عنه) في مرضه فسأله عن حاله ، فقال الإمام الشافعي والله ما أدري أنفسي إلى النار فأعزيها أم إلى الجنة فأهنيها يا أحمد ثم أنشد قائلاً :

أحب الصالحين ولست منهم
لعلي أن أنال بهم شفاعة
 
وأكره من تجارته المعاصي
ولو كنا سواء في البضاعة

فقال له الإمام أحمد :
تحب الصالحين وأنت منهم
وغداً تنال بهم شفاعة
 
وتبغض من تجارته المعاصي
وقاك الله من شر البضاعة
روى البخاري في صحيحه حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار عن أبيه قال : سمعت ابن عمر يتمثل بشعر أبي طالب :

وأبيض يستسقى الغمام بوجهه
 ثمال اليتامى عصمة للأرامل

وهو نص صريح في توسل ابن عمر رضي الله عنهما .
وعن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أنها تمثلت بهذا البيت وسيدنا أبو بكر (رضي الله عنه) ينصت :

وأبيض يستسقى الغمام بوجهه
ربيع اليتامى عصمة للأرامل

وهذا أيضاً نص صريح في توسل السيدة عائشة رضي الله عنها وإقرار من سيدنا أبي بكر (رضي الله عنه) لها على ذلك . وكلمة وجه تحتمل أن يكون التوسل بجاهه ورفعة قدره مثلما تحتمل أن يكون التوسل بذاته () .
الرجوع الى بداية الصفحة     نسخة للطباعة
الاسم: عبد الكريم نجم      البلد: فلسطين       التاريخ: 30-09-2012
بسم الله الرحمن الرحيم

اللهم صل على سيدنا محمد الوصف و الوحي و الرسالة و الحكمة و على آله و صحبه وسلم تسليما

ولو كان من يقرأ هذا الذكر جمادا ، لصار من نور معانيه ماءا

فكيف ابقى صحيحا في ظلمات عثراتي و نور رسول لاتحجبه استار

وصل اللهم على سيدنا محمد الوصف و الوحي و الرسالة و الحكمة و على آله و صحبه و سلم تسليما


أضف تعليقا
الاسم
البلد
البريد الالكتروني
التعليق
اكتب الارقام الظاهرة في الصورة