الرئيسية     نداء الى العالم     مختارات مترجمة    الارشيف     اتصل بنا
في معرفة رتبة المشيخة ومن يؤهل لها



الشيخ محمد بن أحمد

روى السهروردي بسنده أن النبي () قال : والذي نفس محمد بيده لئن شئتم لأقسمن لكم أن أحب عباد الله إلى الله الذين يحببون الله إلى عباده ويحببون عباد الله إلى الله ويمشون في الأرض بالنصيحة ، وهذا الذي ذكره رسول الله () هو رتبة المشيخة والدعوة إلى الله تعالى لأن الشيخ يحبب الله تعالى إلى عباده حقيقة ويحبب عباد الله إلى الله تعالى ، ورتبة المشيخة من أعلا الرتب في طريق الصوفية ونيابة النبوة في الدعاء إلى الله تعالى ، فأما كون الشيخ يحبب عباد الله إلى الله تعالى لأن الشيخ يسلك بالمريد طريق الاقتداء برسول الله () ، ومن صح اقتداؤه برسول الله ()  واتباعه أحبه الله تعالى ، قال الله تعالى : قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ (1) ،
ووجه كونه يحبب الله إلى عباده لأنه يسلك بالمريد طريق التزكية والتحلية فإذا تزكت النفس ، انجلى مرآة القلب ، وانعكس فيها أنوار العظمة الإلهية ، ولاح فيها جمال التوحيد ، فأحب العبد ربه لا محالة وذلك ميراث التزكية ، والشيخ من جنود الله يرشد به المريدين ويهدي به الطالبين ، فعلى المشايخ وقار الله ، وبهم يتأدب المريدون ظاهراً وباطناً قال الله تعالى : أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ (2)
فالمشايخ لما اهتدوا أُهلوا للاقتداء بهم وجُعِلوا أئمة للمتقين فيسوس الشيخ نفوس المريدين كما كان يسوس نفسه من قبل بالتآلف والنصح ، فبذلك يصير المريد جزء الشيخ كما أن الولد جزء الوالد في الولادة الطبيعية وتصير هذه الولادة الثانية ولادة معنوية كما ورد عن عيسى (عليه السلام) : لن يلج ملكوت السماء من لم يولد مرتين ، وصرف اليقين على الكمال يحصل بهذه الولادة وبهذه الولادة يستحق ميراث الأنبياء ، ومن لم يصله ميراث الأنبياء ما ولد .
 فمن المشايخ من تكثر أولاده ويأخذون منه العلوم والأحوال ويودعونها غيرهم كما وصلت إليهم من النبي () بواسطة الصحبة .ومنهم من تقل أولاده،ومنهم من ينقطع نسله،فلا بد من مؤدب وهو الأستاذ فإن الطريق لما كان في غاية الشرف والعزة حفَّت به الآفات والقواطع والأمور المهلكة من كل جانب فلا يسلكه إلا شجاع مقدام ويكون معه دليل علَّام ، وحينئذ تقع الفائدة .
فعلى الشيخ أن يوَّفِّي حق مرتبته ، وصفة الشيخ أن يكون عارفاً بالخواطر الربانية والملكية والقلبية والنفسانية والشيطانية وسأبينها في موضعها إن شاء الله تعالى .
قال الشيخ جبريل الخرمابادي رحمة الله : أيها السالك لا تدخل في هذه البادية المهلكة إلا وأن تكون في خفارة اتباع الحضرة النبوية ويكون قدامك دليل قَطعَ هذه البرية غير مرة واضعاً قدم صدقه على أثر قدم النبي () غير منحرف عن جادة المتابعة ولا يخفى على من له أدنى مرتبة وفطانة أن السير والسفر في عالم الشهادة الذي هو عالم الجسمانيات براً وبحراً إذا كان بغير دليل يكون الغالب فيه الهلاك ، فضلاً أن يوصل إلى المقصد فكيف في عالم الغيب الذي ليس من قبيل المحسوسات فيجب على من في قلبه داعية السفر أن يبذل جهده في طلب دليل عراف بعلامات هذه الطريق ، خبيراً بالمهالك والمخاوف وآفات الدروب قطع هذه البوادي المبيدة بقدم الصدق مراراً ، وكثر مجيئه وذهابه فيها بعد أن وصلِ إلى الكعبة الحقيقية ، فإذا وجد مثل هذا الدليل سَلَّم نفسه إليه وتبرأ منها ، ويُطَلِّق اختياره ثلاثاً ويفنيه في اختيار الدليل وإرادته فإذا فعل ذلك استعد لتصرف الشيخ . انتهى كلامه .
ومن شرط الشيخ أن لا يترك المريد يبرح من منزلة إلا بإذنه لحاجة يوجهه إليها. ومن شرط المريد أن يُعاقب على كل هفوة تقع منه ولا سبيل إلى الصفح عنه في زلة البتة فإن فعل لم يوف حق المقام الذي هو فيه وهو إمام غاش لرعيته .
قال القشيري رحمه الله : ولا يجوز للشيوخ التجاوز عن زلات المريدين لأنه تضييع لحقوق الله تعالى فإن الشيخ إذا لم يكن عارفاً بالسلوك وما يطرأ على المريد وأخذ الطريق من الكتب وقعد يربي المريدين طلباً للمرتبة والرياسة فإنه مُهلِكٌ لمن تبعه ، فلا بد أن يكون عند الشيخ دين الأنبياء وتدبير الأطباء وسياسة الملوك .
ويجب على الشيخ أن لا يقبل مريداً حتى يختبره ، ومن شرطه أن يحاسب المريد على أنفاسه وحركاته ، ويُضَيِّق عليه على قدر صدقه في اتباعه فإنه طريق الشدة ليس للرخاء فيه مدخل .
وكان أبو مدين رحمه الله يقول : ما للمريد وللرخص .
ومن شرط المريد أن لا يقعد في مقام المشيخة إلا أن يقعده أستاذه أويقعده ربه بما يلقي إليه في سره .
ومن شرطه إذا تكلم في مسألة وقام إليه منازع فيها أن يقطع الكلام فإنه لا كلام لهم بحضرة نفس المنازع لأنها وراثة نبوية ، وكان عليه السلام إذا تنوزع عنده يقول : عندي لا ينبغي التنازع  ، فإن المريد إن لم يعتقد الصدق فيما يقوله للشيخ فمتى يفلح ؟ ومتى رأيت الشيخ يترك المريد يستدل عليه في المسائل ولا يزجره ولا يهجره عليها فقد خانه في التربية ، والأولى بالشيخ إذا رأى المريد يجنح إلى ذلك ولا يرجع إلى رأيه فيما يدله عليه أن يطرده عن منزله فإنه يفسد عليه بقية أصحابه ولا يفلح في نفسه .
 ويجب على الشيخ إذا علم أن حرمته سقطت من قلب المريد أن يطرده عن منزله بسياسة فإنه من أكبر الأعداء .
 وللشيخ ثلاث مجالس مجلس للعامة ومجلس لأصحابه ومجلس خاص لكل مريد على انفراد .
فأما مجلس العامة فشرطه أن لا يخرج عن نتائج المعاملات من الأحوال والكرامات وما كان عليه رجال الله من المحافظة على آداب الشريعة واحترامهم إياها ، وشرطه في مجلس الخاصة أن لا يخرج عن نتائج الأذكار والخلوات والرياضات وإيضاح السبل المضافة للآية وهي قوله تعالى : وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا (3) .
وشرطه في مجلس الانفراد مع الواحد من أصحابه زجره وتقريعه وتوبيخه وإن الذي يأتي به حال ناقص وضيع وينبهه على دناءة همته ونقصها .
ويجب على الشيخ أن يكون له وقت تام مع ربه ولا بد ولا يتكل على ما حصل له من قوة الحضور فقد كان رسول الله () يقول : لي وقت لا يسعني فيه غير ربي ، فمتى لم يتفقد الشيخ حاله في كل يوم بالأمر الذي حصل له به هذا التمكين وإلا كان مخدوعاً تسرقه العادة ويجره الطبع فيفقد الأنس ويجد الوحشة نسأل الله السلامة .
ومن شرط الشيخ أن لا يترك مريده يجالس أحداً سوى إخوته الذين معه تحت حكمه ويزور ولا يزار ولا يتكلم ولا يكلم أحداً في خير ولا شر .
 ومن شرطه أن لا يجالس تلامذته إلا مرة واحدة في اليوم والليلة ، وتكون له خلوة يختص بها لا يدخلها أحد إلا من يختص عنده والأولى أن لا يفعل .
ومن شرطه أن يجعل لكل مريد زاوية تخصه ينفرد فيها وحده ولا يدخلها معه أحد غيره .
وينبغي للشيخ إذا قعد المريد في زاوية أن يدخلها الشيخ قبله ويركع فيها ركعتين ويجتمع الشيخ في تلك الركعتين جمعية تليق بحال ذلك المريد ، ثم يقعده فيها فإن الشيخ إذا فعل ذلك قرب الفتح على ذلك المريد وعجل خيره ببركته . ويجب على الشيخ أن
لا يخرج على أصحابه إلا في أكمل صورة .
ويجب على الشيخ أن
لا يترك أصحابه يزورون شيخاً آخر ولا يجالسون أصحابه فإن المضرة سريعة للمريدين فواجب على الشيخ سد هذا الباب على المريدين ، ويتخيل الناس والمريدين غير الصادقين أن الشيخ إنما يمنع أصحابه من زيارة الشيوخ ومجالسة أصحابهم من أجل رياسة بحسد منه وهذا كله باطل وافتراء على الشيوخ .
ويجب على الشيخ إذا رأى شيخاً فوقه أن ينصح نفسه ويلزم خدمة ذلك الشيخ هو وأصحابه ومتى لم يفعل ذلك فليس بمنصف ولا ناصح نفسه ولا صاحب همة ، بل هو ساقط الهمة ، بل ربما هو محب للرياسة والتقدم وهذا في طريق الله نقص ألا ترى إلى محمد () كيف قال : لو كان موسى حياً
ما وسعه إلا أن يتبعني ، وإلياس وعيسى عليهما السلام تحت حكم شريعة محمد () ، فهكذا ينبغي أن يكون شيوخ هذه الطريقة .
 ويجب على الشيخ أن يحفظ على المريد أوقاته ويعد عليه أنفاسه ومتى ما وقعت من المريد حركة ولا يسأله الشيخ عنها ولا يبحث عليه فيها فقد أساء في حقه وفعل ما لا تقتضيه مرتبة الشيوخ فأحوال المشايخ كلها محمولة على السداد .
قال الشيخ أبو مدين قدس الله روحه : الشيخ من جمعك في حضوره وحفظك في مغيبه ، وقال أيضاً : الشيخ من شهدت له ذاتك بالتقديم وسرَّك بالاحترام والتعظيم .
وقال أيضاً : الشيخ من هذبك بأخلاقه وأدبك بإطراقه وأنار باطنك بإشراقه . قال الشيخ نجم الدين كبرى قدس الله روحه : لا تصلح التربية والمشيخة إلا لمن سلك الطريق وأبصر المذموم والمحمود في الغيب وقاسى بلاء هواجم العظمة من الهيبة والموت والفناء
ولا تصلح للمجذوب فإن المجذوب وإن ذاق المقصود ولكن لم يذق الطريق إلى المقصود فلم يصلح للتربية والمشيخة ، وإن التربية والمشيخة هي الدلالة والخفارة في الطريق .
وقال أيضاً في موضع آخر : الشيخ هو الذي سلك طريق الحق سبحانه وتعالى وعرف فيها المخاوف والمهالك فيرشد المريد وينبهه في الأحيان بالمنازل والمقامات والأحوال ويشير عليه بما ينفعه ولا يضره ، ومن الأولياء من يوصله الحق إلى درجات اليقين بالجذب إليه فذلك أيضاً جائز ، ولكن لا يصلح مثل هذا الرجل لإرشاد الخلق لأنه واصل إلى الله تعالى بغير عمل واجتهاد ، والذي يصلح لإرشاد الخلق شيخ سالك سلك طريق فعرف مضارها ومنافعها والمنازل والمقامات وحظى بالمشاهدات بواسطة المجاهدات .
 قال السهروردي قدس الله روحه : ويجمع جمل حال الصوفي شيئان وهما وصف الصوفية وإليهما الإشارة بقوله تعالى : يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ ، فقوم من الصوفية خصوا بالاجتباء الصرف ، وقوم منهم خصوا بالهداية بشرط مقدمة الإنابة فالاجتباء المحض غير معلل بكسب العبد وهذا حال المحبوب المراد يبادئه الحق لمنحه ومواهبه من غير سابقة كسب منه يسبق كشوفه واجتهاده ، وفي هذا أخذ بطائفة من الصوفية رفعت الحجب عن قلوبهم وبادأهم سطوع أنوار اليقين فأنار فيهم نازل الحال شهوة الاجتهاد والأعمال فأقبلوا على الأعمال باللذاذة فسهل الكشف عليهم الاجتهاد كما سهل على سحرة فرعون لذاذة النازل بهم من صفو العرفان تحمل وعيد فرعون ،  فهذا الذي أوضحناه أحد طريقي الصوفية .
فأما الطريق الآخر طريق المريدين وهم الذين شرط لهم الإنابة في قوله تعالى : وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ ، طولبوا بالاجتهاد أولاً قبل الكشوف ، قال الله تعالى : وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ، يدرجهم الله تعالى في مدارج الكسب بأنواع الرياضات والمجاهدات وسهر الدياجي وظمأ الهواجر وهذا حال السالك المحب المريد تسبق اجتهاده كشوفه .
 فهذان الطريقان يجمعان أحوال الصوفية ودونهما طريقان آخران ليستا من طريق التحقيق بالتصوف ، أحدهما مجذوب أبتُرَّ على جذبته ما رد إلى الاجتهاد بعد الكشف ، والثاني مجتهد متعبد ما خلص إلى الكشف بعد الاجتهاد ، والصوفية في طريقهم باب مزيدهم وصحة طريقهم لحسن المتابعة .
وقال السهروردي أيضاً في موضع آخر : الشيخ الذي يُكتَسَُب بطريقة الأحوال قد يكون مأخوذ في ابتدائه في طريق المحبين ، وقد يكون مأخوذاً في طريق المحبوبين وذلك أن أمر السالكين .


الهوامش :-

 1 - آل عمران : 31 .
  2- الشورى : 13 .
  3- العنكبوت : 69 .
- الشيخ محمد أحمد – مخطوطة الدرية المضية  – جامعة الملك سعود – ورقة 5 ب – 9 أ

 
الرجوع الى بداية الصفحة     نسخة للطباعة
الاسم: عبد الكريم نجم      البلد: فلسطين       التاريخ: 10-09-2012
بسم الله الرحمن الرحيم

اللهم صل على سيدنا محمد الوصف و الوحي و الرسالة و الحكمة و على آله و صحبه و سلم تسليما

ومن فضل الله على امة حبيبه و خاتم انبيائه، ان اوجد فيهم في زماننا هذا من يؤدبهم بسماحة الانبياء ، ويرقيهم الى العلى على قدم الاولياء، ويجلسهم مقاعد الاصفياء ، يخفر زلاتهم بحياء ، ويقيل عثراتهم برحمة الآباء و الامهات ، ويغيث ملهوفهم بما يشاء وقت يشاء.

مجلسه بهاء ، ونظراته ضياء ، وهداه نور من نور من انزل عليه الكتاب

فعليه السلام كما على جده افضل الصلاة و السلام

وصل اللهم على سيدنا محمد الوصف و الوحي و الرسالة و الحكمة و على آله و صحبه و سلم تسليما


أضف تعليقا
الاسم
البلد
البريد الالكتروني
التعليق
اكتب الارقام الظاهرة في الصورة