الرئيسية     نداء الى العالم     مختارات مترجمة    الارشيف     اتصل بنا
بركة ليلة القدر



قال الشيخ ابن عجيبة رضي الله تعالى عنه في كتابه ( إيقاظ الهمم في شرح الحكم ) : إن الله تعالى قد اعتنى بك وأراد أن يجتبيك لقربه ويصطفيك لحضرته ، فالتزم الأدب معه بالرضى والتسليم ، وقابله بالفرح والسرور ، ولا تبال بما يفوتك بها معها من الأعمال البدنية ، فإنما هي وسيلة للأعمال القلبية ، فإنه ما فتح هذا الباب إلا وهو يريد أن يرفع بينك وبينه الحجاب ، ألم تعلم أن التعرفات الجلالية هو الذي أوردها عليك لتكون عليه وارداً ، والأعمال البدنية أنت مهديها إليه لتكون إليه بها واصلاً ، وفرق كبير بين ما تهديه أنت من الأعمال المدخولة والأحوال المعلولة ، وبين ما يورده عليك الحق تعالى من تحف المعارف الربانية والعلوم اللدنية ، فطب نفساً أيها المريد بما ينزل عليك من هذه التعرفات الجلالية والنوازل القهرية ، ومثل ذلك كالأمراض والأوجاع والشدائد والأهوال وكل ما يثقل على النفس ويؤلمها كالفقر والذل وأذية الخلق ، وغير ذلك مما تكرهه النفوس ، فكل ما ينزل بك من هذه الأمور فهي نعم كبيرة ومواهب غزيرة تدل على قوة صدقك ، إذ بقدر ما يعظم الصدق يعظم التعرف ( أشدكم بلاء الأنبياء فالأمثل فالأمثل ) والصدق متبوع ، وإذا أراد الله أن يطوي مسافة البعد بينه وبين عبده سلط عليه البلاء ، حتى إذا تخلص وتشحر صلح للحضرة ، كما تصفى الفضة والذهب بالنار لتصلح لخزانة الملك ، وما زالت الشيوخ والعارفون يفرحون بهذه النوازل ويستعدون لها في كسب المواهب .
كان أحد الشيوخ يسميها ليلة القدر ويقول : الحيزة هي ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر ؛ وذلك لأجل ما يجتنيه العبد منها من أعمال القلوب ، التي الذرة منها أفضل من أمثال الجبال من أعمال الجوارح ، فإذا عمرت أوقاتك بذكر الله فعمرك طويل ، وإن قلت أيامه كما أبان ذلك بقوله : رب عمر اتسعت آماده وقلت أمداده ، ورب عمر قليلة آماده كثيرة أمداده ، قلت : رب هنا للتكثير في الموضعين فكثير من الأعمار اتسعت آماده جمع أمد وهو الزمان أي كثير من الناس طالت أعمارهم واتسعت أزمنتهم وقلت أمدادهم أي فوائدهم فلم يحصلوا على شيء ، حيث اشتغلوا بالبطالة والتقصير حتى مضت تلك الأيام كطيف المنام وأضغاث أحلام ، وكثير من الأعمار قلت آمادهم أي أزمنتهم وكثرت أمدادهم أي فوائدهم ، فأدركوا من فوائد العلم والأعمال والمعارف والأسرار في زمن قليل ما لم يدركه غيرهم في الزمن الكثير ، ومثال ذلك أهل الجذب مع السلوك وأهل السلوك وحده ، فإن أهل الجذب الموافقين للسالكين في الأعمال يطوون في ساعة واحدة من مسافة القرب ما لم يدركه أهل السلوك في سنين ، وذلك أهل الفكرة مع أهل الخدمة ( فكرة ساعة خير من عبادة سبعين سنة ) .
وفي هذا المعنى قال الشيخ أبو العباس المرسى (رضي الله عنه) : أوقاتنا كلها ليلة القدر أي كل وقت عندنا أفضل من ألف شهر عند غيرنا .
فانظر من أطلعه الله على بركة عمره وأراه ثمرة وقته كيف اختار الآكد فالآكد والأولى فالأولى ليدرك ما تلمحه من الفوائد ويحظى بالخصائص والزوائد .
قال الشاطبي (رحمه الله تعالى) قال أحمد بن أبى الحواري (رحمه الله) قلت لأبى سليمان الداراني : ( إنى قد غبطت بني إسرائيل ، قال : بأي شىء ؟ قلت : بثمانمائة سنة حتى يصيروا كالشنان البالية ، وكالحنايا وكالأوتار ، قال : ما ظننت إلا وقد جئت بشىء ، والله ما يريد الله منا أن ييبس جلودنا على عظامنا ، ولا يريد منا إلا صدق النية فيما عنده ، هذا إذا صدق في عشرة أيام نال ما ناله ذلك في عمره الطويل ، فإذن من بورك له في عمره أدرك في يسير من منن الله تعالى ما لا يدخل تحت دوائر العبارة ، ولا تلحقه الإشارة لكثرته وعظمه ودقته ورفعته ) .
وقال الإمام الغزالى (رحمه الله) في منهاج العابدين : ( منهم من يقطع هذه العقبات في سبعين سنة ، ومنهم من يقطعها في شهر ، بل في جمعة ، بل في ساعة ، كسحرة موسى
حكي - أن رابعة البصرية كانت أمة كبيرة يطاف بها في سوق البصرة لا يرغب فيها أحد لكبر سنها ، فرحمها بعض التجار فاشتراها بنحو مائة درهم فأعتقها ، فاختارت هذا الطريق ، فأقبلت على العبادة ، فما تمت لها سنة حتى زارها علماء البصرة وقراؤها لعظم منزلتها ) .
وإن البركة في العمر أن تدرك في عمرك القصير بيقظتك ما فات غيرك في عمره الطويل بغفلته ، فيرتفع لك في السنة ما يرتفع في عشرين سنة ، وللخصوص من المقربين في مقامات القرب عند التجلي بصفات الرب إلحاق برفع الدرجات وتدارك لما فات عند أذكارهم وأعمال قلوبهم اليسيرة في هذه الأوقات ، فكل ذرة من ذكر أو تسبيح أو تهليل أو تحمد أو تدبر وتبصرة أو تفكر وتذكرة لمشاهدة قرب ووجد برب ونظرة إلى حبيب ودنو من قريب أفضل من أمثال الجبال من أعمال الغافلين الذين هم لنفوسهم واجدون وللخلق مشاهدون ، ومثال العارفين فيما ذكرناه من فنائهم بشهادتهم ورعايتهم لأمانتهم وعهدهم في وقت قربهم وحضورهم مثل العامل في ليلة القدر ، العمل فيها لمن وافقها خير من ألف شهر ، وقد قال بعض العلماء : كل ليلة للعارف بمنزلة ليلة القدر منه ، فالبركة في العمر هي إدراك الأمداد العظيمة في الآماد القليلة كما تقدم ، فمن كثرت شواغله وشواغبه لا بركة له في عمره لأنه منع من تصريفه في طاعة مولاه بمتابعة شهواته وتحصيل مناه ، ومن تفرغ من الشواغل ولم يقبل على مولاه فهو مخذول مصروف عن طريق استقامته ، وهذان هما الخذلان كل الخذلان أن تتفرغ من الشواغل ثم لا تتوجه إليه ، وتقل عوائقك ثم لا ترحل إليه ، وإنه إذا قلت شواغلك في الظاهر وعوائقك في الباطن ثم لم تتوجه إليه في ظاهرك ولم ترحل إليه في باطنك فهو علامة غاية الخذلان الكبير ؛ لأن جل الناس ما حبسهم عن التوجه إلى الله إلا كثرة أشغالهم الحسية ، فاشتغلت جوارحهم بخدمة الدنيا في الليالي والأيام والشهور والأعوام حتى انقرض العمر كله في البطالة والتقصير ، فهذا هو الخذلان الكبير ، ومن الناس من قلت شواغلهم الظاهرة لوجود من قام لهم بها لكن كثرت علائقهم في الباطن لكثرة ما تعلق بهم من الشواغب ، فهم مغرقون في التدبير والاختيار والاهتمام بأمور من تعلق بهم من الأنام لاسيما من كان له جاه ورياسة وخطة أو سياسة ، فهذا باعتبار العادة بعيد من الإقبال على مولاه إلا إن سبقت له سابقة عناية فتجره إلى رحمة ربه ورضاه
.
وفي كتاب (حلية الأولياء) لأبي نعيم الأصبهاني (رحمه الله تعالى) قال : ورد عن ابن عباس (رضي الله تعالى عنه) : أن عمر بن الخطاب (رضي الله تعالى عنه) جلس في رهط من أصحاب رسول الله (صلى الله تعالى عليه وسلم) من المهاجرين ، فذكروا ليلة القدر ، فتكلم منهم من سمع فيها بشئ مما سمع ، فتراجع القوم فيها الكلام ، فقال عمر : مالك يا ابن عباس صامت لا تتكلم ، تكلم ولا تمنعك الحداثة ، قال ابن عباس : فقلت : يا أمير المؤمنين إن الله تعالى وتر يحب الوتر ، فجعل أيام الدنيا تدور على سبع ، وخلق الإنسان من سبع ، وخلق أرزاقنا من سبع ، وخلق فوقنا سموات سبعاً ، وخلق تحتنا أرضين سبعاً ، وأعطى من المثاني سبعاً ، ونهى في كتابه عن نكاح الأقربين عن سبع ، وقسم الميراث في كتابه على سبع ، ونقع في السجود من أجسادنا على سبع ، وطاف رسول الله صلى الله عليه وسلم بالكعبة سبعاً ، وبين الصفا والمروة سبعاً ، ورمى الجمار بسبع لإقامة ذكر الله مما ذكر في كتابه ، فأراها في السبع الأواخر من شهر رمضان ، فتعجب عمر ، وقال : ما وافقني فيها أحد ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا هذا الغلام الذي لم تستو شؤون رأسه أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال : ( التمسوها في العشر الأواخر ) ثم قال : يا هؤلاء من يؤديني في هذا كأداء ابن عباس .
الرجوع الى بداية الصفحة     نسخة للطباعة
الاسم: منير نعمان عايد      البلد: عراقي - مقيم في الامارات       التاريخ: 15-08-2012
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على اشرف خلق سيدنا محمد وعلى اله وصحبه وسلم تسليما .
كل عام وانتم بالف خير . اعاد الله هذه الايلم عليكم وعلى الامة الاسلامية بالف خير وصحة وعافية ورضا الرحمن .

وصلى الله على سيدنا محمد الوصف والوحي والرسالة والحكمة وعلى اله وصحبه وسلم تسليما .


أضف تعليقا
الاسم
البلد
البريد الالكتروني
التعليق
اكتب الارقام الظاهرة في الصورة