الرئيسية     نداء الى العالم     مختارات مترجمة    الارشيف     اتصل بنا
مفهوم الخضر ولقاء الصالحين به



مشتاق هيلان


مفهوم أهل التصوف عن الخضر خاص لا يشاركهم فيه أحد ؛ ذاك لأنه شخصية محتجبة عن نظر البشر إلا من زالت بشريته بتزكية نفسه وصفاء قلبه وتوالي جوارحه على طاعة ربه ، فهو حينئذ يراه على قدر قوة تعلقه بالله ، فالخضر إنما هو أمر الله وأحد أجناد الله ، وهو سر الله في قلب المؤمن الولي الذي تحقق برتبة العبدية عبداً من عبادنا فإذا تحقق بذلك صار عيناً من عيون الرحمة الإلهية آتيناه رحمة من عندنا وامتلأ علماً ربانياً من نور رب العزة وعلمناه من لدنا علما وعليه فإننا نستطيع القول بأن لكل ولي خضر ، وهذا العلم الذي قال عنه الشيخ أبو يزيد البسطامي في محاججته للفقهاء : أنتم تقولون حدثنا فلان عن فلان وأنا أقول لكم : حدثني قلبي عن ربي ، أخذتم علمكم ميتاً عن ميت ، وأخذنا علمنا عن الحي الذي لا يموت .
وفي مفهوم أن الخضر سر الولي ورد عن الشيخ عبد القادر الجيلاني قدس سره في العقيدة الغوثية : ( قلبي قطبي وقالبي لبناني سري خضري وعينه عرفاني هارون عقلي وكليمي روحي فرعوني نفسي والهوى هاماني ) (1) .
وهو كما قال عنه الشيخ كمال القاشاني : « الخضر هو صورة اسم الله الباطن ، ومقامه مقام الروح ، وله الولاية والغيب وأسرار القدرية ، وعلوم الهوية والآنية والعلوم اللدنية ... أما موسى فهو صورة اسم الله الظاهر ، وله علوم الرسالة والنبوة والتشريع .. فإذن فالحوار الدائر بين موسى والخضر عليهما السلام ليس قصراً عليهما ، ولكنه موازنة بين مطلق رسول ومطلق ولي » .
والشيخ علاء الدولة السمناني قال في الخضر : « كنية الخضر أبو العباس وهو المثلث بالخصائص من الصفة العبدية ، والرحمة العندية ، والعلوم اللدنية ، كما نطق به الكتاب الحميد بقوله : فوجدا عبداً من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما  (2).
ويقول صاحب موسوعة الكسنزان السيد الشيخ محمد الكسنزان الحسيني قدس سره : لنا رأي في هذه التسمية من الناحية الإشارية ، فمعلوم أن الخضر من رجال الغيب الذين لهم أحكام خاصة ودلالات أخص ، فمن حيث هذا العلم - علم الإشارة - يرمز هذا الاسم إلى أمور : -

1. إن اسم الخضر من ( الخضرة ) وهي علامة الحياة ، فهو يشير إلى الحياة بصورة مطلقة .
2. هذه الحياة من الناحية الحسية تعني بقاءه حياً ما دام يحمل هذا الاسم .
3. أما من الناحية المعنوية فتشير الخضرة : إلى حياته الروحية ، أي : العلم اللدني الذي أكرمه الله تعالى به بلا واسطة .

ويكون معنى الحديث من الناحية الرمزية : هو أن الخضر رمز للطريق الموصل إلى الحياة الخضراء الأبدية ، وعندنا هذه الحياة تكون في الطريقة ، حيث أنه إذا نزل نورها في القلب وكان كالفروة البيضاء اهتز واخضر واحتيا الحياة الأبدية ، لأن الطريقة ماء الحياة الأبدية ، وهو ما يرَمِزُ إليه شخص الخضر واسمه من هذه الناحية .
وبيَّن الشيخ ابن عربي ، الطريق والطريقة لتحصيل العلم اللدني لطالب الحق تعالى ، فقال : « إن المتأهب إذا ألزم الخلوة والذكر ، وفرغ المحل من الفكر ، وقعد فقيراً لا شيء له عند باب ربه ، حينئذ يمنحه تعالى ويعطيه من العلم به والأسرار الإلهية والمعارف الربانية التي أثنى الله سبحانه بها على عبده خضر ، فقال : عَبْداً مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنّا عِلْماً .
وأخرج بن المنذر وغيره عن أبي العالية قال : « كان الخضر عبداً لا تراه الأعين إلا من أراد أن يراه الله إياه ، فلم يره من القوم إلا موسى ، ولو رآه القوم حالوا بينه وبين خرق السفينة وبينه وبين قتل الغلام » .
وحول هذا الموضوع دلَّت النصوص والروايات الواردة في هذا الشأن على أمور .
1 - إن الخضر قد يُظهر نفسه بأمر الله تعالى للبعض من الصالحين وغيرهم لأسباب خاصة .
2 - إنه قد يكشف الله تعالى لبعض العباد عن أبصارهم أو بصائرهم فيرونه دون غيرهم ، وقد لا يعلم هو بذلك إلا بعد أن يخاطبه الرائي .
3 - هذه الخصائص ناتجة عن تحققه بمرتبة ولاية خاصة جعلت جسمه متروحن ، ففنى عن الطعام والشراب الحسي ، وهو في مقابل تجسد بعض الملائكة وتمثلهم بصورة البشر .

وفي هذا المعنى يقول السيد الشيخ عبد القادر الكيلاني قدس سره : « من الأولياء من يفنى عن الأكل والمشروب وينعزل عن الخلق ويحجب عنهم ويعمر في الأرض بلا موت [ مثل ] الخضر ، لله عدد كثير منهم محجوبون في الأرض يرون الناس وهم لا يرونهم » .
أما عن شخصية الخضر ولقاؤه بالأئمة والأولياء ، فقد روى الترمذي بسنده قال : « بينما علي بن أبي طالب يطوف الكعبة ، إذا هو برجل متعلق بأستار الكعبة وهو يقول : يا من لا يشغله سمع عن سمع ، ويا من لا يغلطه السائلون ، ويا من لا يبرم بإلحاح الملحّين ، ارزقني برد عفوك وحلاوة رحمتك ، قال : فقال له الإمام علي : يا عبد الله .. أَعد دعائك هذا ، قال : أَوقد سمعته ؟ قال : نعم ، قال : فأدع به في دبر كل صلاة فوالذي نفس الخضر بيده ، لو كان عليك من الذنوب عدد نجوم السماء ومطرها وحصى الأرض وترابها ، لغفر لك أسرع من طرفة عين » ، وقول الخضر ( أَوَقَد سمعته ؟ ) يشير إلى أنه موجود يتعبد ، ويفتح الله لمن يشاء رؤيته ، أو سماعه ، أو لقاءه .
وذكر صاحب قلائد الجواهر : « أنه لما دخل إلى بغداد [ الشيخ عبد القادر ] وقف له الخضر ومنعه من الدخول وقال له : ما معي أمر أن تدخل إلا بعد سبع سنين ، فأقام على الشط سبع سنين يلتقط من البقالة من المباح حتى صارت الخضرة تبين من عنقه ، ثم قام ذات ليلة فسمع الخطاب : يا عبد القادر ادخل بغداد » .
وروي عن الشيخ أبي مدين الغوث رضي الله عنه أنه قال : لقيت الخضر عليه السلام فسألته عن مشايخ المغرب والمشرق في عصرنا , وسألته عن الشيخ عبد القادر , فقال : هو إمام الصديقين , وحجة على العارفين , وهو روح في المعرفة , وشأنه الغربة بين الأولياء , وانأ أصرف مراتب الأولياء من وراء إشارته .
ويقول السيد الشيخ أحمد الرفاعي الكبير قدس الله سره : « رأيت الخضر مراراً ، وسمعت منه ، وهو من أهل التكليف بالشرع المحمدي » وفي مرة من المرات كان الشيخ الرفاعي يدرس في مجلسه ، فسأله سائل لا يعرفه ، فقال له : ما معنى ( كُلَّ يَوْمٍ هُوَ في شَأْنٍ ) ؟ فتحير ولم يجد جواباً ، فسكت ، ثم نام ليلاً ، فرأى النبي في المنام ، فسأله عن الآية ، فقال له : ( شؤوناً يبديها ولا يبتديها ) فلما عاد للدرس من غد ، عاد السائل إليه فسأله ، فقال له : شؤوناً يبديها ولا يبتديها ، فقال له : صلِ على من علمك وظهر أن السائل هو الخضر » .
ويقول الشيخ السرهندي : « رأيت في حلقة الصبح أن ... الخضر حضر في صورة الروحانيين ، فقال الخضر بالإلقاء الروحاني : نحن من عالم الأرواح ، قد أعطى الحق سبحانه أرواحنا قدرة كاملة ، بحيث تتشكل وتتمثل بصورة الأجسام ويصدر عنها ما يصدر عن الأجسام من الحركات والسكنات الجسمانية والطاعات والعبادات الجسدية ، فقلت له في تلك الأثناء ، أنتم تصلون الصلاة بمذهب الأمام الشافعي ، فقال : نحن لسنا مكلفين بالشرائع ، ولكن لما كانت كفاية مهمات قطب المدار مربوطة بنا وهو على مذهب الإمام الشافعي نصلي نحن أيضاً وراءه بمذهب الإمام الشافعي ، فعلم في ذلك الوقت أنه لا يترتب الجزاء على طاعتهم ، بل تصدر عنهم الطاعة والعبادة موافقة لأهل الطاعة ومراعاة لصور العبادة » .
ويقول الشيخ محمد مهدي الرواس الرفاعي : « جاء رجل أخذتني هيبته مني ، حتى كدت أن أغيب عني ، فسلم ... فألقى الله تعالى رحمة بي في قلبي أنه الخضر ، فقمت وقبلت يده وركبته ، فبارك لي ورحب ، وقال : اجلس ، أنا هو الذي مر بخاطرك ، هات يدك أصافحك كما صافحت جدك رسول الله فقبض يدي ، وقبضت يده ، ثم شابكني فشابكته ، وقال : هكذا صافحت وشابكت النبي ، وبشرني بعدها بالجنة ، وإن من يشابكني ، ويصافحني معنا في الجنة ، وكذا إلى سبع فحمدت الله » (3 ) .


الهوامش :-

  1- أبو سعيد القادري  – الفيوضات الربانية في المآثر والأوراد القادرية – ص 92 .
  2- سورة الكهف : الآية 65 .
 3 - المصدر : موسوعة الكسنزان ج9ص124 .
الرجوع الى بداية الصفحة     نسخة للطباعة

أضف تعليقا
الاسم
البلد
البريد الالكتروني
التعليق
اكتب الارقام الظاهرة في الصورة