الرئيسية     نداء الى العالم     مختارات مترجمة    الارشيف     اتصل بنا
في آداب المريد مع الشيخ ح4


                                                                 محمد بن أحمد

واعلم أن الاحتياج للشيخ من وجوه لا تكاد تنضبط أو تدخل تحت الحصر فنشير إلى البعض منها :
منها أن المريد غير مستغن عن تعلم الآداب الظاهرة وشرائطها عمن يعلمه كما نقل عن النبي () من غير زيادة ونقصان .
ومنها أن الطرق إلى الله كثيرة وقد تعلق كل شيخ بطريقة مخصوصة لا يتعداها ولا يخلطها بغيرها ليثبت الطالب على طريقه ويمكنه أن يداوم ويواظب عليها ولا يتشوش ولا يتفرق همه تارة يميل إلى هذه وأخرى إلى تلك فيكون من قبيل مذبذبين بين ذلك ، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ، والمبتدئ غير مستقل بالاختيار وعلى فرض الاختيار ليس في وسعه الثبات عليه فإن الولاية في باطنه للنفس والشيطان ، فإذا شرع في طريقة وتعلق بها زين له الشيطان طريقة أخرى وتساعده النفس وتبين له بالبرهان أنها أفضل من هذه ، ومقصوده أن يزله عن الأولى ، فإذا زل واشتغل بأخرى زين له أخرى وأخرى وأخرى إلى أن يمل الطالب ويسكن حرارة طلبه فيرجع قهقرى ، وإذا كان في حكم الشيخ وحصر ولايته فالشيخ يحفظ أحواله بقوة ولايته المستفادة من قوة الحضرة النبوية وغيبته عليها بهمته الصافية وكلامه المؤثر الناقد فيرى بنور ولاية الشيخ أن الداخل عليه شيطاني فيضعف الخاطر إذ الشيطان لا يقوم في مقابلة نور ولاية الشيخ ، ومنها وبها يجد الطالب وتجد الملالة إليه سبيلاً ويستولي عليه سلطان القبض فينشطه الشيخ بكلامه النافذ المنور بنور حضور الحق ويدفع عنه الملالة والقبض ويشعل نار طلبه بحرارة نفسه .
ومنها أنه ربما ييأس ويقول له الشيطان إنك لا تصلح للحضرة ويعرض عليه عيوب نفسه ويقول هل يصلح مثل هذا الملوث لتلك الحضرة الطاهرة فيحصل له انكسار عظيم يفضي إلى اليأس لاسيما وقد تنور قلبه بنور الذكر وصفا باطنه فيدرك من عيوب نفسه ما لم يكن يدرك فيصير الصفاء مدداً لهذا الخاطر ويعد هذا الخاطر رحمانياً ولا يعلم أن مقصود اللعين من عرض العيوب وحصول الانكسار اليأس وذهاب النشاط ليثقل عليه الأعمال فيملها ويتركها بالتدريج فلو لم يكن في حماية الشيخ من يخلصه من هذا المكر ؟
ومنها ربما يفتح له باب من العلوم الدقيقة والمعاني الغامضة أو الأسرار أو المكاشفات والكرامات فتعجبه ويتعلق بها ويحسبه عين الكمال ولا يعلم المسكين أنها حجاب وقته ، غير أنها من الحجب النورانية ودفعها أشد من الظلمانية ، لأن القلب يميل إليها ويأنس بها فلولا تصرف الشيخ لبقي السالك في هذا الحجاب محجوباً .
ومنها أن تفسير الوقائع من الأركان الأصلية في السلوك وهو أمر عظيم إذ الوقائع مكالمات بلسان الغيب فلا يفهم المقاصد منها إلا من يكون عرافاً بلسان الغيب خبيراً بالمقامات وهذه من أعظم مزال الأقدام وفيها من الخطر لا سيما إذا وصل إلى التجليات ، فإن التجليات الروحانية كثيراً ما تلتبس تجليات الحق سبحانه وتعالى فحسب المريد أنه وصل إلى المقصد الأقصى ولا يميز بينهما إلا الشيخ الواصل الموصل الكامل المكمل المرشد ، واعلم أن السالك إنما يحتاج إلى صورة الشيخ في عالم الشهادة إلى أن يميز بين النفس والشيطان ، وبعدما ميز يستفيد من معنى الشيخ وروحانيته وحقيقته ولا يحتاج إلى حضور صورة الشيخ ، نعم يحتاج إلى محبته وإرادته ليمكنه أن يستفيد من حقيقة الشيخ وروحانيته وبإرشادهم ودلالتهم يسلم المريد من مهالك هذا الطريق ومفاوزها فهم خلفاء سيد المرسلين ()  وصاروا بحكم الخلافة واسطة بين الرب والعبد
، ما تقول في قوم شغلهم رد الآبقين من العبيد إلى مولاهم وأكبر همهم أن يعمروا بين العبد وسيده ، قال شيخ الشيوخ شهاب الملة والدين السهروردي قدس الله روحه قد فزت مع الشيخ عبد القادر الجيلي بنظرة فبقت سعادتها علي إلى الأبد .
سئل الشيخ شرف الدين الأندقاني عن الأبدال ومشايخ الطريقة ، فقال : هو يعني مشايخ الطريقة قوم آخرون ويكون للواحد منهم عند الله من المنزلة ما لا يكون للسبعة والسبعين من الأبدال وحالهم أعجب الأحوال لم يقع عين غيرهم على جمال أحوالهم وكمال قربهم كأنهم المعنيون بأوليائي تحت قبائي لا يعرفهم غيري ، ومن الأدب أن لا يدخل مع الشيخ إلا بعد علمه بأن الشيخ قيم بتأديبه وتهذيبه وإنه أقوم بالتأديب من غيره ومتى كان عند المريد تطلع إلى شيخ آخر لا تصفوا صحبته ولا ينفذ القول فيه ولا يستعد باطنه لسراية حال الشيخ إليه فإن المريد كلما أيقن بتفرد الشيخ بالمشيخة عرف فضله وقويت محبته ، والمحبة والتآلف هو الواسطة بين المريد وبين الشيخ ، وعلى قدر المحبة يكون سراية الحال لأن المحبة علامة التعارف والتعارف علامة الجنسية والجنسية جالبة للمريد حال الشيخ أو بعض حاله .
ومن الأدب أن يراعي خطرات الشيخ في جزئيات الأمور وكلياتها ولا يستحقر كراهية الشيخ ليسير حركاته معتمداً على حسن خلق الشيخ وكمال حلمه ومداراته.
 ومن أدب المريد مع الشيخ أن لا يستقل بواقعته وكشفه دون مراجعة الشيخ فإن الشيخ علمه واسع وبابه المفتوح من الله أكبر ، فإن كان واقع المريد من الله يوافقه الشيخ ويمضيه وما كان من عند الله لا يختلف وإن كان فيه شبهة تزول شبهة الواقعة بطريق الشيخ ويكتسب المريد علماً بصحة الوقائع والكشوف فإنه إن كان من الحق يتبرهن بطريق الشيخ ، وإن كان ينزع واقعه إلى كون هوى النفس يزول وتبرأ ساحة المريد ويتحمل الشيخ ثقل ذلك لقوة حاله وصحة إيوائه إلى جناب الحق وكمال معرفته .
ومن الأدب مع الشيخ أن المريد إذا كان له كلام مع الشيخ في شيء من أمر دينه أو دنياه لا يستعجل بالإقدام على مكالمة الشيخ والهجوم عليه حتى يتبين له من حال الشيخ أنه مستعد لاستماع قوله وكلامه متفرغ مع التبجيل والتعظيم كما روي عنه () أنه قال ليس منا من لم يجل كبيرنا ويرحم صغيرنا ويعرف لعالمنا حقه ، فاحترام المشايخ توفيق وهداية وإهمال ذلك خذلان وعقوق نسأل الله العافية والسلامة آمين .
فدوام ربط القلب بالشيخ بالاعتقاد والاستمداد على وصف التسليم والمحبة والتحكيم واجب ويكون في اعتقاده أن هذا المظهر هو الذي عينه الحق سبحانه للإفاضة عليه ولا يحصل له الفيض إلا بواسطته دون غيره ولو كانت الدنيا مملوءة من المشايخ .
قال الشيخ زين الدين الخوافي من المتأخرين قد ورد في بعض الأحاديث على ما أثبته المشايخ في كتبهم أن الشيخ في قومه كالنبي في أمته ، فلابد للمريد أن يتوجه إلى شيخه بربط قلبه معه ، ويعتقد أن الفيض
لا يجيء إلا بواسطته ، وإن كان الأولياء كلهم هادين مهديين ويعتقدهم كلهم ويدعوا لهم ولكن استمداده الخاص واستفاضته تكون من شيخه وحده ويعلم أن استمداده من شيخه هو استمداده من النبي () وهو من الحق جل اسمه ( سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلاً ) فالربط بالقلب مع الشيخ أصل كبير في الاستفاضة بل هو أصل الأصول ولهذا بالغ المشايخ قدس الله أرواحهم في رعاية هذا الشرط حتى قال الشيخ نجم الدين كبرى قدس الله روحه أنه كالأستاذ بالنسبة إلى الأدوات في صنعة المرآة فكما أن المطرقة والسندان والمنفخ والفحم والنار وغيرها من الآلات إذا اجتمعت ولا يكون ثم أستاذ يصنع المرآة لا يتحقق وجود المرآة كذلك شروط الخلوة والذكر التي يأتي ذكرها
لا تتصفى بها مرآة القلب بدون ربط القلب مع الشيخ وقد جربناها فوجدناها كما قال .
قال الشيخ جبريل الخرمابادي قدس الله سره : اعلم أيها الطالب الصادق أن الذكر على مثال المصقل والقلب مثل المرآة ، فكما أن المرآة تحتاج في صقلها إلى الآلة وهو المصقل والأستاذ الذي يكون له علم بهذه الصنعة فكذلك مرآة القلب التي يرى فيها جمال الحضرة الإلهية
لا غنى في صقلها عن الآلة وهو الذكر وعن الأستاذ وهو الشيخ المرشد ليعلم كيفية استعمال الآلة على الترتيب والقانون الذي لا بد منه ليقع الاستعمال محصل للغرض وقد يحصل لبعض الناس تصفية ما بسبب الرياضات والمجاهدات ودوام الخلوة ولكن لا ينفتح روزنة القلب إلى الحضرة الإلهية ومع هذا فلا يوثق بها فإنها على مشرف الفوات ويوشك أن تفوت فواتاً قلما يتمكن صاحبها من أن يعود إليها أو ينقاد لشيخ يربيه ويعيده إليها  وأكثر المريدين إذا انقطعوا عن الفيض والترقي
لا ينقطعون إلا بعدم ربط القلب بالشيخ بالتسليم والإذعان والمحبة الصادقة والامتثال والاعتراض يسد باب الفيض .
ويجب على المريد أن
لا يعترض على الله تعالى
ولا على شيخه ويرضى بقضاء الله على ما قدر من الفتح والسد والقبض والبسط والصحة والمرض ملاحظاً قوله تعالى ( وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم والله يعلم وأنتم
لا تعلمون ) ، وقوله تعالى ( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً ) ومتحققاً أن الله تعالى أرحم بالعبد من الوالدة بولدها وأعلم بمصلحة العبد من نفسه ، والشيخ أعرف بمزال العبد ومضاله ومصالحه ومفاسده ومراشده وقد جرب الأمور ومارس الأحوال وركب الأموال وبلغ مبلغ الرجال والمريد كمن دخل برية لم يسلكها ولا يعرف مواقع الخطر لا يميز بين النفع والضر وكمريض اعتقد أن الطبيب الفلاني عالم بعلاجه وشفائه ومرضه المهلك فيسقيه حلواً ومراً وهو يتناول ما يعطيه ويسقيه من الأشربة والأدوية آمناً بشفائه متيقناً بصحته من دائه ومتى لم يتناول
ما يسقيه أنى يزول مرضه ؟ هذا قانون الحكمة والتربية »( 1) . 
____________________________
الهوامش:-
  1- الشيخ محمد أحمد – مخطوطة الدرية المضية  – جامعة الملك سعود – ورقة 13 ب – 23 ب .
 
الرجوع الى بداية الصفحة     نسخة للطباعة

أضف تعليقا
الاسم
البلد
البريد الالكتروني
التعليق
اكتب الارقام الظاهرة في الصورة