الرئيسية     نداء الى العالم     مختارات مترجمة    الارشيف     اتصل بنا
في آداب المريد مع الشيخ ح/2


 محمد بن أحمد
ومن شرط المريد أن يكون بين يدي الشيخ كالميت بين يدي الغسال إن غسل عضوا من أعضائه قبل عضوا آخر أو يحركه أو يتصرف فيه كيف يشاء بما يرى من المصلحة فلا يخطر عليه خاطر اعتراض ولو عاينه قد خالف الشريعة فإن الإنسان ليس بمعصوم ، قال القشيري رحمه الله .... بل الواجب عليه أن يذرهم وأحوالهم فيحسن الظن بهم ولا يكتم عنه كلما وقع له في نفسه من محمود ومذموم ، ولا يقعد في مكانه ، ولا يطأ سجادته برجله ، ولا يلبس ثوباً لبسه شيخه إلا بإذنه ، ولا يبسط سجادته بحضرته إلا لصلاة ، ولا يتصرف في غير ما حد له شيخه ، ومن شرط المريد أن لا يسأل شيخه في شيء ويطلب الجواب عنه بل يجب أن يقص عليه ما وقع له فإن إجابه الشيخ كان وإلا فلا ، وإن وصف ذلك على أن يجيب عنه الشيخ فقد جعله سؤالاً وإذا جعله سؤالاً فقد أساء الأدب ، ولا يجلس بين يديه إلا مستوفزاً كجلوس العبد بين يدي سيده ، وإذا أمره بفعل شيء فيتثبت فيه حتى يعرف مراده ولا يبادر وهو غير عارف بما أمره ، فلا يأتي بشيء ولا يحتمل فيه قولة قائل ، وإذا عرف له عدواً فليهجره في السر ولا يجالسه ولا يعاشره ، وإذا رأى من يثني عليه ويحبه فيحبه ويقضي حوائجه ، وإن طلق شيخه امرأة فمن الأدب ألا يتزوجها ، ويسلم ويتتلمذ ويخدم كل من قدمه عليه شيخه ، ولا يقعد مقعداً حيث كان إلا ويتيقن أن الشيخ يراه فليلزم ذلك ، ولا يمش أمامه إلا بليل ولا يديم النظر إليه فإن ذلك يورث قلة الحياء  ويخرج الاحترام من القلب ، ولا يكثر مجالسته ولا يقض لأحد حاجة ولو كان أباه حتى يشاور شيخه ، ولا يدخل عليه متى ما دخل عليه إلا قبل يده وأطرق ويتحبب إليه بامتثال أمره ونهيه له ، وليكن حافظاً شحيحاً على عرضه ، وإذا قدم إليه طعاماً فليلقه أمامه بجميع ما يحتاج إليه وليقف خلف الباب فإن دعاه أجابه وإلا فليتركه حتى يفرغ وإذا فرغ أزال المائدة أو السفرة إذا أمره فإن بقي من طعامه شيء وأمره بالأكل فليأكل ولا يؤثر بنصيبه أحداً ولا يحدث نفسه أن الشيخ يأكل وحده فيستعظم أكله إن كان طعاماً كثيراً فيفرغ أو يقع فيه من أجل الخبر فيمن أكل وحده ، وليجهد أن لا يراه إلا فيما يسره منه ولا يتمن عليه ، وليحذر مكر الشيخ فإنهم يمكرون بالطالب فليحافظ على أنفاسه في الحضور معه فإن وقعت منه زلة في حق أدب مع الشيخ وعرف أنه قد عرف بها وسامحه فيها ولم يعاقبه فليعلم أنه قد مكر به ، واعلم أنه لا يجيء منه شيء ولهذا سكت عنه وإذا عاقبه على الخطرة واللحظة وضايق عليه أنفاسه فليبشر بالقبول والفتح والرضى ولا يدللـه عليه بسطه له كلما انبسط فليرد في قلبه المهابة والإجلال والتعظيم والاحترام والاحتشام .
شعر :
كلما ازداد بسطة وخضوعا         زاد فيه مهابة وجلالا
وإن سافر شيخه وتركه في موضعه فليلازم الموضع الذي كان يقعد فيه بالسلام عليه في كل يوم في الأوقات التي كان يأتي إليه فيها كأنه ما غاب عنه ، ويراعي من حرمته في غيبته رعايته في حضوره ، وإذا رآه يريد الخروج إلى موضع فلا يقل له في ذلك إلى أين ولا يدخل عليه رأياً في أفعاله ، وإن شاوره فليرد المشورة إليه فإن مشورته إياه ليس من افتقاره إلى رأيه وإنما شاوره تحبباً له وسياسة ، وإذا رآه يلازم موضعاً فلا يقل له في ذلك ولا يحدث نفسه أن ذلك عادة منه ، وإذا انتقل عن موضع كان يلزمه فلا يذكره به ولا يتأول عليه كلامه فيما يأمره به أو يحدثه به ، وليقف عند ظاهر ما يسمع وليفعله إذا أمره وإن تيقن أنه خطأ فليمض لما أمره
ولا يعرج على تأويل فيه ، وإن تأول أمره وأصاب فهو خطأ كما أنه إذا لم يتأول وفعله كما أمره وكان ذلك الأمر خطأ فقد أصاب ، ومتى ما تأول على الشيخ ما أمره به أو يقول له تخيلت أنك أردت كذا فليعلم أنه في إدبار فليبك على نفسه فإنه ما أوتي على أكثر المريدين من التأويل فإن التأويل حظ النفس ، ولا يصلي في موضع يستدبر فيه شيخه إن كان حاضراً وليجمع بين الأدبين ، ولا يفش له حديثاً إلا بأمره ولا يقف له على نوم ولا أكل ولا حالة من أحوال العادة فإنه أنفع له إلا إن دعاه إلى ذلك ، وصورة دعائه في ذلك أن لا يتعرض له بمشورة مثل أن يقول له يا سيدي تأمرني أن آكل معك أو تأمرني أن أنام معك في بيت واحد أو أنصرف فإني أخاف أن يقول لك كل أو نم معي وهذا غاية الإبعاد فإنه داعية إلى الإذلال وإسقاط الحرمة والهيبة ومتى ما عدم هذا من المريد فإنه لا يفلح ومن قال خلاف هذا فإنه
لا يعرف نفسه .
ومن شرط المريد أن لا يرد على شيخه كلامه ولو كان الحق بيد المريد فإن الشيخ إنما يقول له ما فيه مصلحته فليقف عند قوله ولا ينازعه ولا يجادله ولا يماريه ومتى ما وقع في شيء من ذلك أو خطر له نزاعه في خاطره فإن النزاع وإن كان في نفسه هو عين الاعتراض ، والاعتراض على الشيوخ حرام من المريدين وقوعه فهذا مريد مسخرة للشيطان ساع في هوى نفسه ، سوءته مكشوفة عند سادات أهل طريق الله .
 ومن شرط المريد أن يعتقد أن طريقه أشرف الطرق فإنه إن لم يعتقد هذا تشوفت نفسه إلى ما هو أشرف منه ، وما ثم أشرف منه فإنه طريق الملائكة والخلفاء من النبيين والمرسلين وعباد الله الصالحين وحليته الملائكة المقربين وهؤلاء الأصناف هم أعلم الخلق بالعلوم الإلهية التي هي أشرف العلوم وأجلها .
ومن شرط المريد الإطراق وعدم الالتفاف وفضول النظر فإنهم كانوا يكرهون فضول النظر كما يكرهون فضول الكلام حتى لو سئل أحدهم عن صفة جليسه ما درى
ما صفته فكيف به لو سئل عن صفته فإن المريدين ينبغي أن يكونوا بين يدي شيوخهم كأنهم لصوص قد ورد عليهم السلطان فهم للعقوبة خائفون ، وهكذا في حركاتهم وسكناتهم .
ومن شرط المريد أن يعتقد في شيخه أنه على شريعة من ربه وبينة منه ولا يزن أحواله بميزانه فقد تصدر من الشيخ صورة مذمومة في الظاهر وهي محمودة في الباطن والحقيقة فيجب التسليم ومع هذا فلا يصدر مثل هذه الأحوال إلا من ضعيف ، وأما الرجل الكامل فهو الذي يجري مع الخلق بحكم العادة لا يظهر عليه شيء مما يذمه الشرع
ولا تستغربه العادة .
ومن شرط المريد إذا وجهه شيخه في أمر أن يمضي لأمره من غير توقف ولا تأويل ولا يصرفه عنه صارف حتى قال بعض المشايخ لبعض المريدين أرأيت لو وجهك شيخك في أمر فمررت في طريقك بمسجد تقام فيه الصلاة فما تصنع فقال أمض لأمر الشيخ ولا أصلي حتى أرجع إليه فقال أحسنت ، ولهم في هذا خبر يستندون إليه .
ومن شرط المريد النشاط والهمة ولا يرمي بنفسه إلى العجز والكسل .
ومن شرط المريد الوفاء بكل ما يشترط عليه الشيخ سواء كان ذلك صعباً أو سهلاً فإن طريق الله تعالى طريق مجاهدة ومكابدة وليس هي طريق الراحة ، وليس للمريد أن يشترط على الشيخ شيئاً إذ ليس للميت شرط على غاسله ومن خرج عن إرادته فلا فرق بينه وبين الميت .
 ومن شرط المريد أن لا يكلف أحداً عمل شيء يقدر على عمله بنفسه وتناوله وليرفع كلفته عن الخلق
ما استطاع ولا يتحرك بحركة أصلاً حتى ينظر ما فيها من مرضاة الله وحظ نفسه فيزيل النفس ويصلح خاطره فيها ويوفيها ما تقتضيه من الأدب والحضور ، ومتى ما ترك المريد الناس يتبركون به ويلحظونه بعيني التعظيم فاشهد بعدم فلاحه ، فليتحفظ عن هذا .
ويجب على المريد أن يعتقد في شيخه أنه عالم بالله ناصح لخلق الله ولا ينبغي أن يعتقد فيه العصمة ، فقد سئل الجنيد سيد الطائفة أيزني العارف بالله ؟ فقال : وكان أمر الله قدراً مقدوراً وصحب تلميذ شيخاً فرآه قد زنى بامرأة فلم يتغير في خدمته ولا اختل في شيء من مرسومات شيخه ولا ظهر منه نقص في احترامه ، وقد عرف الشيخ أنه رآه فقال له يوماً يا بني قد عرفت أنك رأيتني حين فسقت بتلك المرأة وكنت أنتظر نفارك عني لأجل ذلك ، فقال له التلميذ : يا سيدي الإنسان متعرض لمجاري أقدار الله عليه فإني من الوقت الذي دخلت إلى خدمتك ما خدمتك على أنك معصوم وإنما خدمتك على أنك عارف بطريق الله ، عارف بطريق السلوك إليه الذي هو طلبي وكونك تعصي أو لا تعصي هذا شيء بينك وبين الله تعالى لا يرجع علي من ذلك شيء ، فما وقع يا سيدي منك شيء يوجب نفاري عنك وزوالي منك ، وهذا هو عقدي أي نيتي ، فقال الشيخ وفقت وسعدت هكذا هكذا وإلا فلا ، وبرع ذلك التلميذ بعد ذلك وجاء منه ما تقر به العين من حسن الحال وعلو المقام ، وكل مريد رأى في شيخه نقصاً ونفر منه فهو منافق مطالب عند الله تعالى .
 ومن شرط المريد حفظ الأمانة فإنه في طريق وهب الأسرار ولا توهب إلا للأمناء فمن شرطه الكتمان إلا أن يأمره صاحب السر بإذاعته كما حكي أن شيخاً كان له تلميذ يدعي أنه أمين والشيخ يعلم منه خلاف ذلك وهو يرد على الشيخ في ذلك ويدعي الأمانة ويطلب منه أن يهبه سراً من أسرار الله تعالى فأخذ الشيخ يوماً تلميذاً من أصحابه وخبأه في بيت وعمد إلى كبش فذبحه وألقاه في عدل ودخل عليه ذلك التلميذ المدعي فرأى الشيخ مخضباً بالدماء والعدل أمامه والسكين بيده فقال له يا سيدي ما شأنك فقال له أغاضني فلان فقتلته يعني عن التلميذ المخبأ ويعني بقتله مخالفة هواه حتى لا يكذب الشيخ فتخيل التلميذ أنه في العدل فقال له الشيخ هذه أمانة فاسترها علي وادفن معي هذا المذبوح الذي في هذا العدل فدفنه معه في الدار وقعد الشيخ يقصد نكاية ذلك التلميذ ويفعل معه ما يحرجه وجاء والد التلميذ المخبوء يطلب ابنه فقال له الشيخ هو عندي فمضى الرجل ، فلما كثر على ذلك التلميذ نكاية الشيخ مشى إلى والد ذلك التلميذ المخبوء وأخبره أن الشيخ قتله ودفنه معه ورفع ذلك إلى السلطان فتوقف السلطان في ذلك لما يعرفه من جلالة الشيخ وبعث إليه القاضي والفقهاء وأخذ ذلك المريد يسفه على الشيخ ووقف الشهود حتى حفر على العدل فعاينوا الكيس وخرج التلميذ المخبوء وافتضح الخائن وندم حيث لم ينفعه الندم .
 
في آداب المريد مع الشيخ ح/2
الرجوع الى بداية الصفحة     نسخة للطباعة

أضف تعليقا
الاسم
البلد
البريد الالكتروني
التعليق
اكتب الارقام الظاهرة في الصورة