الرئيسية     نداء الى العالم     مختارات مترجمة    الارشيف     اتصل بنا
علم الحي الذي لا يموت

علم الحي الذي لا يموت هو علم العلوم فلا يشرف عليه علم عالم ، والبكر الذي لا يفتضه وهم واهم ، يقول الشيخ الأكبر ابن عربي في كتابه المسائل : العلم الوهبي : هو الذي لا يدخله كسب بوجه من الوجوه وهو العلم العزيز المقدار ، هو ما أدت إليه الجبلة الطاهرة الأصل والنشأة عندما ترددت في عالم الانتقالات في الأطوار ، وانتقلت من عالم الأغذية إلى عالم التقديس والأطهار .
وجاء عن أبي يزيد البسطامي قدس الله سره أنه قال : أخذتم علمكم ميتاً عن ميت ، وأخذنا علمنا عن الحي الذي لا يموت .
إن العلم المسمى بالكسبي والذي يجتهد فيه المجتهدون هو المشار إليه بأنه العلم المأخوذ ميتاً عن ميت ، وأما العلوم الوهبية الكشفية فهي المشار إليها بأنها مأخوذة عن الحي الذي لا يموت . ولا تعارض بين العلمين فلكل علم رجاله ومواطنه وأدلته وفوائده ، وعبارة الشيخ البسطامي يمكن أن تحمل في باب التقسيم أو التصنيف لأنواع العلوم وسبلها وليس من باب تعطيل العلوم التي تعتمد على العقل مقابل العلوم التي تعتمد على الكشف والإلهام ، فهذا العلم هو نور يظهر في القلب عند تطهيره وتزكيته من صفاته المذمومة ولا سبيل لهذا العلم إلا بالرياضة والتعليم  وهذه هي العلوم التي لا تسطر في الكتب .
وكذلك أراد الشيخ أبو يزيد البسطامي أن يشير في هذا القول إلى الفرق بين العلوم الكسبية وبين العلوم التي سماها الإمام الغزالي بـ ( علوم المكاشفة ) والتي قال عنها إنها : نور يظهر في القلب عند تطهيره وتزكيته من صفاته المذمومة ، ومن خلال هذا النور في باطن العبد تنكشف أمور كثيرة كان يسمع من قبل أسماءها فيتوهم لها معاني مجملة غير متضحة فتتضح إذ ذاك حتى تحصل المعرفة الحقيقية بذات الله سبحانه وبصفاته الباقيات التامات وبأفعاله وبحكمه في خلق الدنيا والآخرة ووجه ترتيبه للآخرة على الدنيا ، كالمعرفة بمعنى النبوة والنبي ومعنى الوحي ومعنى الشيطان ومعنى لفظ الملائكة والشياطين وكيفية معاداة الشياطين للإنسان وكيفية ظهور الملك للأنبياء وكيفية وصول الوحي إليهم والمعرفة بملكوت السماوات والأرض ومعرفة القلب وكيفية تصادم جنود الملائكة والشياطين فيه ومعرفة الفرق بين لمة الملك ولمة الشيطان ومعرفة الآخرة والجنة والنار وعذاب القبر والصراط والميزان والحساب .
قال الإمام علي رضي الله عنه - وأشار إلى صدره - : ( إن ههنا علوماً جمة لو وجدت لها حملة ) فمثل هذه العلوم يستعصي فهمها أو إدراكها عن طريق التفكر العقلي ، فالمعرفة بها لا تحصل إلا من خلال ارتفاع الحجاب عن مرآة القلب حتى تتضح له جلية الحق فيها اتضاحا يجري مجرى العيان الذي لا يشك فيه . وهذا ممكن في جوهر الإنسان لولا أن مرآة القلب قد تراكم صدؤها وخبثها بقاذورات الدنيا .
إنما تصفيته وتطهيره بالكف عن الشهوات والإقتداء بالنبي الأعظم صلى الله تعالى عليه وسلم  في جميع أحواله ، فبقدر ما ينجلي من القلب ويحاذي به شطر الحق يتلألأ فيه حقائقه . ولا سبيل إليه إلا بالرياضة التي يأتي تفصيلها في موضعها وبالعلم والتعليم .
وهي العلوم التي لا تؤخذ من الكتب ولا من اجتهاد العلماء أو تفكر العقلاء إنها علوم وهبية أطلق عليها الصوفية تسميه العلوم اللدنية نسبة إلى قوله تعالى : ( فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا ) قال ابن القيم في العلم اللدني في شرح منازل السائرين ، قال الله عز وجل : ( وعلمناه من لدنا علما ) .
العلم ما قام بدليل ورفع الجهل وهو على ثلاث درجات :
الدرجة الأولى : علم جلي يقع بعيان أو استفاضة صحيحة أو صحة تجربة قديمة .
والدرجة الثانية : علم خفي ينبت في الأسرار الطاهرة من الأبراز الزاكية بماء الرياضة الخالصة ويظهر في الأنفاس الصادقة لأهل الهمة العالية في الأحايين الخالية في الأسماع الصاخبة وهو علم يظهر الغائب ويغيب الشاهد ويشير إلى الجمع .
والدرجة الثالثة : علم لدني إسناده وجوده وإدراكه عيانه ونعته حكمه ليس بينه وبين الغيب حجاب يشير القوم بالعلم اللدني إلى ما يحصل للعبد من غير واسطة بل بإلهام من الله وتعريف منه لعبده كما حصل للخضر عليه السلام يغير واسطة موسى قال الله تعالى آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما الكهف .
والعلم اللدني إنما هو ثمرة العبودية والمتابعة والصدق مع الله والإخلاص له وبذل الجهد في تلقي العلم من مشكاة رسوله وكمال الانقياد له فيفتح له من فهم الكتاب والسنة بأمر يخصه به كما قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه وقد سئل هل خصكم رسول الله بشيء دون الناس فقال لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إلا فهماً يؤتيه الله عبداً في كتابه ، فهذا هو العلم اللدني الحقيقي .
قال حذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنه : ( إن في قلب المؤمن سراجاً يزهر ) فكلما قوي الإيمان في القلب قوي انكشاف الأمور به وعرف حقائقها من بواطلها وكلما ضعف الإيمان ضعف الكشف وذلك مثل السراج القوي و السراج الضعيف في البيت المظلم .
ويقول ابن خلدون في كتابه شفاء السائل : بعد أن قسم المجاهدة إلى ثلاثة أنواع ؛ مجاهدة التقوى ومجاهدة الاستقامة ومجاهدة الكشف و المشاهدة ، وبين أن هذه الأخيرة أعظم المجاهدات ، فيقول : وأما مجاهدة الكشف والمشاهدة التي مطلوبها رفع الحجاب والاطلاع على العالم الروحاني وملكوت السموات والأرض ، فإنها مفتقرة إلى العالِم المربي ، وهو الذي يعبر عنه بالشيخ ، افتقار وجوب واضطرار ، لا يسع غيره ، ولا يمكن في الطالب حصولها بدونه .
يقول الشيخ عبد القادر الجيلاني قدس الله سره في كتاب الفتح الرباني : إن الله عز وجل أجرى العادة بأن يكون في الأرض شيخ ومريد ، صاحب ومصحوب ، تابع ومتبوع من لدن آدم إلى أن تقوم الساعة .
يقول الفقيه ابن حجر الهيثمي : في كتابه الفتاوى الحديثية : والحاصل أن الأوْلى بالسالك قبل الوصول إلى هذه المعارف أن يكون مديماً لما يأمره به أستاذه الجامع لطرفي الشريعة والحقيقة ، فإنه هو الطبيب الأعظم ، فبمقتضى معارفه الذوقية وحكمه الربانية ، يُعطي كل بدن ونَفْسٍ ما يراه هو اللائق بشفائها والمصلح لغذائها .
ويقول الشيخ عبد القادر عيسى في كتابه حقائق عن التصوف : هؤلاء الوراث المرشدون صحبتهم ترياق مجرب ، والبعد عنهم سم قاتل ، هم القوم لا يشقى بهم جليسهم ؛ مرافقتهم هي العلاج العملي الفعَّال لإصلاح النفوس ، وتهذيب الأخلاق ، وغرس العقيدة، ورسوخ الإيمان ، لأن هذه أُمور لا تُنال بقراءة الكتب ، ومطالعة الكراريس ، إنما هي خصال عملية وجدانية ، تُقتبس بالاقتداء ، وتُنال بالاستقاء القلبي والتأثر الروحي .
وصاحب هذا العلم الرباني هو العالم الحقيقي الملم بكل تلك العلوم والجامع لها بتصرف كامل فيها ، وكما يقول الشيخ أبو يزيد البسطامي : العالم هو الذي يكون علمه لله ، يأخذ عنه إذا ما شاء ، كيف شاء ، بلا تحفظ ولا كتب  .
ويقول الشيخ كمال الدين القاشاني عن العالم الرباني : العالِم من أطلعه الله على [ ذاته وصفاته وأسمائه وأفعاله ] ، لا عن شهود ، بل عن يقين ، فيحصل لصاحب الهمة في الخلوة مع الله وبه جلَّت هيبته وعظمت منته ، من العلوم ما يغيب عندها كل متكلم على البسيطة ، بل كل صاحب نظر وبرهان ، ليست له هذه الحالة .
قال الشعراني : وكان الشيخ الكامل أبو يزيد البسطامي رضي الله عنه يقول لعلماء عصره : أخذتم علمكم من علماء الرسوم ميتاً عن ميت ، وأخذنا علمنا عن الحي الذي لا يموت وينبغي لك يا أخي و أختى ألا تطلب من العلوم إلا ما تكمل به ذاتك ، وينتقل معك حيث انتقلت ، وليس ذلك إلا العلم بالله تعالى ، من حيث الوهب والمشاهدة ، فإن علمك بالطب مثلاً إنما يحتاج إليه في عالم الأسقام ، والأمراض ، فإذا انتقلت إلى عالم ما فيه سقم ، ولا مرض ، فمن تداوى بذلك العلم فقد علمت يا أخي و أختى أنه لا ينبغي للعاقل أن يأخذ من العلوم إلا ما ينتقل معه إلى البرزخ ، دون ما يفارقه عند انتقاله إلى عالم الآخرة ، وليس المنتقل معه إلا علمان فقط ، العلم بالله عز وجل ، والعلم بمواطن الآخرة حتى لا ينكر التجليات الواقعة فيها ، ولا يقول للحق إذا تجلى له نعوذ بالله منك كما ورد ، فينبغي لك يا أخي و أختى الكشف عن هذين العلمين ، في هذه الدار لتجني ثمرة ذلك في تلك الدار ، ولا تحمل من علوم هذه الدار ، إلا ما تمس الحاجة إليه في صراط سيرك إلى الله عز وجل على مصطلح أهل الله عز وجل ، وليس صراط الكشف عن هذين العلمين ، إلا بالخلوة ، والرياضة ، والمشاهدة ، والجذب الإلهي ، وكنت أريد أن أذكر لك يا أخي وأختي الخلوة وشروطها ، وما يتجلى لك فيها على الترتيب شيئاً فشيئاً ، لكن منعني من ذلك الوقت ، وأعني بالوقت من لا غوص له في أسرار الشريعة ، ممن دأبهم الجدال حتى أنكروا كل ما جهلوا ، وقيدهم التعصب ، وحب الظهور ، والرياسة ، وأكل الدنيا بالدين عن الإذعان لأهل الله تعالى ، والتسليم لهم .
الرجوع الى بداية الصفحة     نسخة للطباعة
الاسم: منير نعمان عايد      البلد: عراقي - مقيم في الامارات       التاريخ: 12-03-2012

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على اشرف خلق الله سيدنا محمد وعلى اله وصحبه وسلم تسليما ،

اللهم علمنا ماينفعنا وانفعنا بما علمتنا ياحي ياقيوم .

وصلي اللهم على سيدنا محمد الوصف والوحي والرسالة والحكمة وعلى اله وصحبه وسلم تسليما .

الاسم: ابو جنيد      البلد: العراق       التاريخ: 12-03-2012
قال تعالى(واتقوا الله ويعلمكم الله)نعم هناك علوم لا تؤخذ بالقراءة والمطالعة ولكن تؤخذ بالاستحقاق المبني على الصدق والتقوى.ان العلم اللدني عطاء رباني ونفحة من الله العليم.

الاسم: معمر      البلد: الجزائر       التاريخ: 07-01-2013
سبحان الله ولا حول و لا قوة إلا بالله.


أضف تعليقا
الاسم
البلد
البريد الالكتروني
التعليق
اكتب الارقام الظاهرة في الصورة