الرئيسية     نداء الى العالم     مختارات مترجمة    الارشيف     اتصل بنا
ليلة القدر بين الخواص والعوام

مشتاق هيلان
ليلة القدرهي ليلة التعظيم فكل شيء فيها عظيم كما قال الله العظيم في كتابه القرآن العظيم لنبيه العظيم محمد صلى الله تعالى عليه وسلم بألفاظ كلها تعظيم إذ أفرد لها سورة في القرآن وابتدأها ب( إنا )  وصيغة الجمع هنا للتعظيم و( أنزلناه ) كذلك بنون الجمع ، وقوله تعالى : ( وما أدراك ما ليلة القدر ) السؤال هنا والاستفهام إنما هو إشعار بعظمة هذه الليلة ، فيستدرك ويقول ليلة القدر خير من ألف شهر أي هي خير للعبد فيما ينعم الله به عليه من ألف شهر إن لو لم تكن إلا واحدة في ألف شهر ، فكيف وهي في كل اثني عشر شهراً في كل سنة ؟ فإذا نالها العبد كان كمن عاش في عبادة ربه مخلصاً أكثر من ألف شهر من غير توقيت كمن يتعدّى العمر الطبيعيّ يقع في العمر المجهول وإن كان لا بدّ له من الموت ولكن لا يدري هل بعد تعدية العمر الطبيعيّ بنفس واحد وبآلاف من السنين فهكذا ليلة القدر إذا لم تكن محصورة .
وأيضاً تنزل الملائكة والروح فيها بصيغة الجمع لا الإفراد إنما هو لزيادة الاحترام والتوقير والتعظيم بل هم مأذونون به فهي سلام وأمان حتى مطلع الفجر ، فنلاحظ التعظيم في مفرداتها من البداية إلى النهاية .
وكذلك جعل سبحانه إضافة الليل إلى القدر دون النهار كما يقول الشيخ ابن عربي ( قدس الله سره ) لأن الليل شبيه بالغيب والتقدير لا يكون إلا غيباً لأنه في نفس الإنسان والنهار يعطي الظهور ، فلو كان بالنهار لظهر الحكم في غير محله ومناسبه ، فإن الفعل في الظاهر لا يظهر إلا على صورة ما هو في النفس ، فخرج من غيب إلى شهادة بالنسبة إلى الله ، ومن عدم إلى وجود بالنسبة إلى الخلق ، فهي ليلة يفرق فيها كل أمر حكيم ، فينزل الأمر إليها عيناً واحدة ثم يفرق فيها بحسب ما يعطيه من التفاصيل ، كما تقول في الكلام إنه واحد من كونه كلاماً ثم يفرق في المتكلم به بحسب أحوال الذي يتكلم به إلى خبر واستخبار وتقرير وتهديد وأمر ونهي وغير ذلك من أقسام الكلام مع وحدانيته .
فهي ليلة مقادير الأشياء والمقادير ما تطلب سوانا فلهذا أمرنا بطلب ليلة القدر وهو قوله صلى الله تعالى عليه وسلم ( التمسوها ) لنستقبلها كما يستقبل القادم إذا جاء من سفره والمسافر إذا جاء من سفره فلا بد له إذا كان له موجود من هدية لأهله الذين يستقبلونه فإذا استقبلوه واجتمعوا به دفع إليهم ما كان قد أعده لهم ، فتلك المقادير فيهم ( وبذلك فليفرحوا ) فمنهم من تكون هديته لقاء ربه ، ومنهم من تكون هديته التوفيق الإلهيّ والاعتصام ، وكل على حسب ما أراد المقدر أن يهبه ويعطيه لا تحجير عليه في ذلك .
ومن خصائصها محو الأنوار بنورها وجعلها دائرة منتقلة في الشهور وفي أيام الأسبوع حتى يأخذ كل شهر من الشهور قسطه منها ، وكذلك كل يوم من أيام الأسبوع كما جعل رمضان يدور في الشهور الشمسية حتى يأخذ كل شهر من الشهور الشمسية فضيلة رمضان فيعمّ فضل رمضان فصول السنة كلها ، فلو كان صومنا المفروض بالشهور الشمسية لما عم هذا التعميم ، وكذلك الحج سواء وكذلك الزكاة في حولها ليس بمعين إنما ابتداؤه من وقت حصول المال عند المكلف فما من يوم في السنة إلا وهو رأس حول لصاحب مال ، فلا تنفك السنة إلا وأيامها كلها محل للزكاة وهي الطهارة والبركة ، فالناس كلهم في بركة زكاة كل يوم ، يعمّ كل من زكى فيه ومن لم يزك .
وأما محي نور الشمس من جرم الشمس في صبيحة ليلتها فذلك إعلام بأن الليل زمان إتيانها والنهار زمان ظهور أحكامها فلهذا تستقبل ليلاً تعظيماً لها ، فمن فاته إدراكها ليلاً فليرقب الشمس فإن محو نور الشمس لنورها كنور الكواكب مع ظهور الشمس لا يبقى لها نور في العين وبهذا يتقوّى مذهب من يجعل الفجر حمرة الشفق لقوله تعالى ( حتى مطلع الفجر ) أي إلى مطلع الفجر ، فذلك القدر هو الذي يتميز به حد الليل من النهار الفجر الطالع ما هو ذلك الفجر في ليلة القدر من نور الشمس وإنما هو نور ليلة القدر ظهر في حجم الشمس .
خرج رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وإذا ناس في رمضان يصلون في ناحية المسجد ، فقال : من هؤلاء ؟ فقيل : هؤلاء ناس ليس معهم قرآن ، وأبيّ بن كعب يصلي بهم ، وهم يصلون بصلاته ، فقال النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم : ( أصابوا ونعم ما صنعوا ) ونتبين من هذا أن الجمعية في ليلة القدر أحق للمناسبة فإن قدرها أعظم من ألف شهر بلياليه وأيامه ، فلها مقام هذا الجمع وأنزل الله فيها القرآن قرآناً أي مجموعاً .
وحتى الإبهام في تحديدها فإنه يدخل من باب التعظيم والتفضيل والإنعام علينا ، فهو يوفر دواعي العبد على الطلب والاجتهاد ، ذاك لأن الكثير من الأمور التي نجهلها إنما هي نعمة ولنا فيها حياة كجهل الإنسان بأجله مثلا فإنه نعمة عليه ، إذ لو عرفه ربما تنغص عليه العيش وطال بذلك غمه ؛ وكذلك جهله بما يضمره الناس عليه من معارفه وأقاربه نعمة عليه ، إذ لو رفع الستر واطلع عليه لطال ألمه وحقده وحسده واشتغاله بالانتقام ، وكذلك جهله بالصفات المذمومة من غيره نعمة عليه ، إذ لو عرفها أبغضه وآذاه وكان ذلك وبالاً عليه في الدنيا والآخرة ، فهذه وجوه نعم الله تعالى في الجهل فكيف في العلم ؟
أما القائمين لليلة القدر فهم ثلاثة أصناف : فالعوام يقومونها للتعلق أي الشعور بمعناها والتفاعل ببركتها لوقتها وهي عندهم مؤقتة في رمضان ليلة السابع والعشرين منه فقط فإن أصابوها نالوا ذلك الأجر العظيم والثواب الجزيل من الله سبحانه . أما الخواص من أولياء الله تعالى فهم يقومونها للتخلق وهو أن يقوم بهم معناها فهم في صوم دائم حتى يأتيهم اليقين وقيام معنى ليلة القدر بهم أي هم يقومون جميع ليالي أيام السنة وكأنها ليلة القدر لأنها عندهم دائمة لا بل يبكون على فراقها ، كما ورد عن أحد الصالحين المتخلقين بمعنى ليلة القدر ، إذ عند احتضاره رآه أصحابه يبكي ، فسألوه : هل جزعاً من الموت ؟ فقال : لا والله بل أبكي على ليل شديد البرد كنت أقومه ، وعلى نهار شديد الحر كنت أصومه ، سوف أتركه في الدنيا ، إذاً فهم يتلذذون بقيام جميع ليالي السنة لأنها صارت خلقاً لهم .
أما خواص الخواص من الأولياء فيقومونها للتحقق وهو الفناء في معناها حتى يصير أحدهم هو ليلة القدر لأن قلوبهم لا تفتر من القيام في حق الله ، وأرواحهم لا تفطر من الصيام عن كل ما سوى الله ، ونفوسهم في زكاة دائمة من أجل الله وفي سبيله ، وحجهم دائم إذ أجسادهم تعبة في تحقيق مراد الله وما يوصل إليه ، فهم من الله وإلى الله وفي الله ولله جل شأنه .
ومن وراء ذلك ما يكل اللسان في شرحه ، ففيه من الأسرار والحقائق ما لا يعلمه إلا الله سبحانه ( ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم ) .
الرجوع الى بداية الصفحة     نسخة للطباعة
الاسم: ماهر      البلد: ألمانيا       التاريخ: 09-09-2010
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل على سيدنا محمد الوصف والوحي والرسالة والحكمة وعلى آله وصحبه وسلم تسليما
اللهم تقبل اعمالنا ببركة دعاء وأنوار أستاذي وتاج رأسي ونور عيني
قدس الله سره.
ملاحظة,لم اجد وسيلة لتوصيل تهنئة العيد الا عن طريق هذا المنبر كل عام واستاذنا وكل المريدين بألف الف خير
و صل اللهم على سيدنا محمد الوصف والوحي والرسالة والحكمة وعلى آله وصحبه وسلم تسليما


أضف تعليقا
الاسم
البلد
البريد الالكتروني
التعليق
اكتب الارقام الظاهرة في الصورة