الرئيسية     نداء الى العالم     مختارات مترجمة    الارشيف     اتصل بنا
المرأة .. سؤال التحدي القادم
محمد المحفوظ 
 ثمة عوامل وأسباب عديدة ، ساهمت بشكل أو بآخر في التباس الرؤية تجاه واقع المرأة في المجتمعات الإسلامية المعاصرة. فالنصوص الإسلامية الثابتة واضحة في رؤيتها تجاه المرأة ، وأن مكانتها هي مكانة مساوية للرجل . إذ يقول تبارك وتعالى ( يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيراً ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا ) . فهذه الآية لا تفرق بين الرجل والمرأة ، وتنص على أن الأصل الإنساني واحد . وبالتالي لا ميزة تكوينية للرجل على المرأة . فكلاهما خلق بطريقة واحدة . 

والخطيئة الإنسانية الأولى لم تكن من صنيعة المرأة بوحدها ، وإنما الذي ارتكبها الرجل والمرأة معاً . إذ يقول تبارك وتعالى ( وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغداً حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين ) . فلا تتحمل المرأة بوحدها مسؤولية تلك الخطيئة ، بل يتحملها الإنسان رجلا وامرأة .

لهذا فإن الخطوة الأولى في مشروع إعادة بناء الرؤية الاجتماعية والثقافية تجاه المرأة ، تتجسد بفك الارتباط بين الرؤية الإسلامية الأصيلة للمرأة ، والتي هي رؤية التكريم والمسؤولية المتبادلة في كل شيء مع شريكها الآخر في الحياة وهو الرجل . وبين الإسرائيليات والأساطير والتي تسربت إلى بنيتنا الثقافية والاجتماعية ، وساهمت بتشويه رؤيتنا وموقفنا من المرأة . فالمرأة ليست أقل من الرجل في إنسانيتها ، كما أنها ليست المسؤولة بوحدها عن خطيئة الإنسان الأولى . والغواية كمسلك يمارسه الرجل والمرأة ، وهي لا تخضع لاعتبارات طبيعية خاصة بالمرأة بوحدها .

لهذا فإن واقع المرأة السيئ في العديد من الدول العربية والإسلامية ، يعود بالدرجة الأولى إلى طبيعة الأنساق والخيارات الثقافية التي حكمت رؤية هذه المجتمعات للمرأة . وانعكست طبيعة هذه الخيارات في المهام والأدوار والوظائف التي تمارسها على صعد الحياة المختلفة .

فالإشكاليات العميقة التي تعاني منها المرأة اليوم في المجتمعات المعاصرة ، ليست وليدة النصوص الإسلامية العامة ، بل وليدة الخيارات الثقافية والاجتماعية التي ليست بالضرورة منسجمة والروح العامة للنصوص والتوجيهات الإسلامية .

وهذا بطبيعة الحال لا يعني رفع النقد عن الكثير من التوجهات والخطابات الإسلامية الخاصة بالمرأة ، والتي ساهمت بشكل أو بآخر في طبيعة الإشكاليات التي تعانيها المرأة اليوم في مجتمعاتنا العربية والإسلامية . إذ أن بعض الأفهام الدينية عملت على عزل المرأة ودفعها نحو الانكفاء ، وفق رؤية دينية نحن أحوج ما نكون اليوم إلى مراجعتها وتجاوز نقاط الضعف الجوهرية فيها .

فالخطاب الديني الموجه إلى المرأة في بعض جوانبه ، يدفع المرأة إلى تبني خيارين لا ثالث لهما فإما العزلة والانكفاء أو التمرد على الثوابت والضوابط الشرعية . بينما لو تأملنا في التوجيهات الإسلامية العامة ، لرأينا أن بإمكان المرأة أن تقوم بكل الأدوار والوظائف الإنسانية مع حفاظها على عفتها وسترها . ومن الخطأ التعامل مع هذه المسألة على سبيل المقايضة فإما الالتزام الذي يساوي العزلة والانكفاء أو التحرر من كل الثوابت . بينما التوجيهات الإسلامية مع التزام المرأة ، ذلك الالتزام الذي لا يخرجها عن نطاق المسؤولية الدينية والإنسانية . لذلك يقول تبارك وتعالى ( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير ) .

فالخطاب المجتزأ حول المرأة ، ساهم في تغييب الرؤية الحقيقية والشاملة حول دور المرأة في المجتمع . فالمرأة شقيقة الرجل وصنوه في الإنسانية والمسؤولية الربانية المناطة بالإنسان . وهذه العناصر بمقتضياتها ومتطلباتها ، هي القاعدة الفكرية العريضة التي توضح الرؤية الإسلامية للمرأة . فالثقافة التحقيرية للمرأة ، ليس لها صلة حقيقية بالإسلام ومبادئه الأساسية . وتصوير أن الثقافة التحقيرية للمرأة ، هي جزء من التصور الإسلامي لموقع المرأة في الحياة ، فيه تجن وظلم للإسلام والمرأة معاً . فالإسلام كدين جاء من أجل تحرير الإنسان رجلا وامرأة من كل الإكراهات والضغوطات ، التي تكبل الإنسان وتحرمه من ممارسة الحياة على أكمل وجه . وهو ظلم وإجحاف بحق المرأة ، حينما نلغي حقيقتها وجوهرها الإنساني ، ونتعامل معها بوصفها موضوعاً للفتنة والإغراء وما أشبه ذلك .

على كل حال فإننا نعتقد أن المرأة المسلمة اليوم تعيش وتعاني من إشكاليات عديدة ، لا يمكن تطوير واقعها وإحداث تحولات نوعية في مسيرتها ، بدون معالجة هذه الإشكاليات وتفكيك هذه العقد النظرية والاجتماعية والثقافية ، التي تمنع أن تقوم المرأة بدورها الحضاري والإنساني .

وفي هذا الإطار لعلنا لا نجانب الصواب حين القول : إن المشاكل الكبرى التي تواجه المرأة المسلمة اليوم ، وتمنعها من القيام بأدوارها ووظائفها الإنسانية والتنموية ، هي وليدة الأفهام الضيقة والأعراف والتقاليد التي لبست بشكل أو بآخر لبوس الدين والقيم الإسلامية الثابتة . فقيم الدين الإسلامي لا تشرع حبس المرأة عن دورها الاجتماعي والحياتي الطبيعي ، ومن يعمل على إقصاء المرأة من أدوار ووظائف الحياة المختلفة ، فإنه يشوه قيم الدين ، ويعطل طاقة إنسانية خلاقة بإمكانها أن تقوم بالكثير من دروب التطور والتقدم الإنساني .

وفي المقابل أيضاً فإن قيم الدين الإسلامي ، لا تشرع إلى الميوعة والتفلت من الضوابط الشرعية والأخلاقية . وعليه فإن القيم الإسلامية تفسح المجال للمرأة لكي تقوم بأدوارها التنموية ووظائفها الاجتماعية مع التزامها بضوابط الشرع ومحاسن العادات والأعراف . ولا يصح لنا منع المرأة من القيام بذلك بدعوى وجود نماذج نسوية متفلتة أو بعيدة عن الالتزام بضوابط الشرع ، فهذا حق من حقوق المرأة الأصيلة ، وعلينا تهيئة كل الظروف والشروط لكي تمارس المرأة هذا الحق بعيداً عن المسبقات الاجتماعية الجاهزة التي لا ترى البعد والجوهر الإنساني في تعاملها مع المرأة في كل عناوينها وقضاياها المختلفة . 

 وفي هذا السياق نود التأكيد على النقاط التالية :   1- ضرورة فك الارتباط بين القيم والمبادئ الإسلامية الثابتة والأعراف والتقاليد الاجتماعية والتي تشكلت من خلال البيئة والحياة الاجتماعية للناس . وهنا ندعو الباحثين والباحثات إلى عرض كل الأمثلة الشعبية المتداولة والمرتبطة بالمرأة إلى النصوص الإسلامية فما وافق هذه النصوص أخذنا به ، وما خالف هذه النصوص تجاوزناه على الصعيدين النظري والعملي . 

وذلك لأن الكثير من المشاكل التي تثار حول الرؤية الإسلامية تجاه المرأة وموقعها في مشروعات التنمية والحياة العامة ، هي من جراء عدم التمييز بين القيم والمبادئ التي تشكل حجر الزاوية في مشروع الرؤية والموقف ، والأعراف والتقاليد التي هي وليدة بيئة وظروف محددة . وإن رؤيتنا تجاه المرأة وقضاياها المختلفة ينبغي أن تكون مستمدة من القيم والمبادئ ، وليس تكيفاً مع الأعراف والتقاليد . وهذا لا يعني بطبيعة الحال اتخاذ موقف سلبي من كل الأعراف والتقاليد . ولكننا نقول إننا ضد كل الأعراف التي تحول دون اكتشافنا لرؤية الإسلام الحقيقية لمسألة المرأة في الواقع المعاصر .  
فالمطلوب أن تكون المبادئ والقيم الثابتة للإسلام ، هي التي تصيغ رؤيتنا وموقفنا من المرأة وقضاياها المختلفة . وهذا لا يتأتى إلا بنقد وتفكيك الأعراف والتقاليد التي لا تنسجم وثوابت الدين وخياراته العليا في الحياة .

2- إن تطوير واقع المرأة المسلمة اليوم ، ليس من المهام الخاصة بالمرأة فحسب . بل هي مسؤولية كل الفئات والشرائح في المجتمع . ولعلنا لا نبالغ حين القول : أن أحد المعايير الأساسية ، التي نتمكن من خلالها أن نقيس مدى تقدم أي مجتمع هو معيار واقع المرأة في هذا المجتمع . فإذا كانت المرأة مغيبة عن الحياة ووظائف التنمية الشاملة ، فإن هذا المجتمع يعيش التأخر ، حتى ولو ادعى التقدم . أما المجتمع الذي تمارس فيه المرأة أدوارها الطبيعية والإنسانية ، فإن هذا المجتمع يعيش التقدم والتطور ، حتى ولو كان يعاني مآزق ومشكلات عديدة في راهنه .

وذلك لأن طريق التقدم ، به مشاكل وأزمات ، كما أن طريق التخلف به مشاكل وأزمات ، ولكن الفارق الجوهري هو في خط السير وطبيعة المشاكل التي تعترض المجتمعات . لهذا كله فإنه لا يمكن لنا كمجتمع أن نتقدم ، إلا بتقدم المرأة في مجتمعنا . ولا يمكن أن تتقدم المرأة في مجتمعنا ، إلا بصياغة رؤية وخطاب جديد ، يتجه إلى المرأة والمجتمع معاً . خطاب لا يدفع نحو الانكفاء والانعزال ، كما أنه لا يحرض على الانفلات الأخلاقي والاجتماعي . خطاب لا ينظر إلى المرأة بوصفها أنثى فحسب ، بل هي أولا وقبل كل هذا هي إنسان لها كامل الحقوق وعليها كامل الواجبات . والاستثناءات في هذا السياق ، لا تشرع إلى نبذ المرأة أو التعامل الدوني معها .

3- إن إزالة المعوقات الثقافية والاجتماعية التي تحول دون ممارسة المرأة لدورها ووظائفها الإنسانية والحضارية ، يتطلب العمل على خلق نهضة ثقافية - اجتماعية تطرد من فضائنا الاجتماعي والثقافي كل عوامل الجمود وأسباب الانحطاط والتأخر ، وتؤسس لوضع اجتماعي - ثقافي جديد ، يحترم حقوق الإنسان رجلا وامرأة ، ويتفاعل على نحو إيجابي مع مكاسب العصر والحضارة الحديثة .

وجماع القول : إننا بحاجة إلى رؤية جديدة في التعاطي مع شؤون المرأة وقضاياها في مجتمعنا ، حتى نتمكن من الخروج من كل تلك الإشكاليات والمآزق لخلق واقع جديد للمرأة ، يحترم خصوصياتها ، ولكنه لا يمنعها من القيام بالأدوار والوظائف الإنسانية والحضارية المتعددة .

المصدر :- جريدة الرياض . www.alriyadh.com/2006/11/07/article199841
الرجوع الى بداية الصفحة     نسخة للطباعة

أضف تعليقا
الاسم
البلد
البريد الالكتروني
التعليق
اكتب الارقام الظاهرة في الصورة