الرئيسية     نداء الى العالم     مختارات مترجمة    الارشيف     اتصل بنا
المجاهدة في الإسلام

المجاهدة في الإسلام في اللغة
المجاهدة : اشتقاقاً من الجهد وهو الطاقة المبذولة لعمل معين (1) .

في الشريعة الإسلامية
المجاهدة : كل صراع بين الحق والباطل أريد به وجه الله سبحانه وتعالى .
قال تعالى : وَجاهَدوا في سَبيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ ( التوبة : 41 ) .
وقال تعالى : وَجاهِدوا في اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ ( الحج : 78 ) .
أقسام المجاهدة
لما كانت أحكام الشريعة الإسلامية تنتظم الوجود كله ، أي العالم و الإنسان ، فإنها قد سنّت أحكاماً تناسب العالمين لدحض الباطل بشتى صوره وأشكاله ، فكانت المجاهدة في الإسلام على قسمين :
الأول : مجاهدة الباطل - ممثلاً بالمشركين والكفار - في العالم وسميت هذه المجاهدة بالجهاد الأصغر .
الثاني : مجاهدة الباطل - ممثلاً بالأهواء والشهوات - في داخل الإنسان نفسه ، ونعتت هذه المجاهدة بالجهاد الأكبر .
ويجمع قسمي المجاهدة المذكورين ما روي عن حضرة الرسول الأعظم صلى الله تعالى عليه وسلم بعد عودة المسلمين من أحد الغزوات الإسلامية أنه قال : رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر  .
فقيل : يا رسول الله وما الجهاد الأكبر ؟
قال : جهاد النفس(2) .
وإنما خص حضرة الرسول الأعظم صلى الله تعالى عليه وسلم مجاهدة النفس بوصف الجهاد الأكبر ، لأن جهاد الأعداء في العالم له مكان وزمان وظروف معينة وكلها منقطعة بمعنى أن المعارك فيه لها أجل وتنتهي .
 إلا أن مجاهدة النفس ليس لها مكان ولا زمان ولا ظروف معينة ثابتة ، بمعنى أن المسلم مطالب دائماً بكبح جماحها وردعها عن شهواتها وأمانيها الباطلة أو المضلة في كل حين ، ولهذا فهو جهاد مستمر متواصل ، ولهذا أيضاً سمي بالجهاد الأكبر .
في الأمر بمجاهدة النفس .
النفس هي مضمار الصراع الأول بين المسلم وربه ، فهي الرفيق المخادع الذي يجمع الفجور والتقوى ، وهي مفتاح الهلاك والنجاة لقوله تعالى : وَنَفْسٍ وَما سَوّاها . فَأَلْهَمَها فُجورَها وَتَقْواها ( الشمس : 7 – 8 ) .
وإذا ما انتصر المسلم على جانب الهوى فيها وتمكن من الباطل في داخله صار من اليسير عليه مواجهة الباطل وأهله في العالم .
ولهذا فقد أمر حضرة الرسول الأعظم صلى الله تعالى عليه وسلم على ضرورة مجاهدة النفس بلا هوادة فقال حضرته صلى الله تعالى عليه وسلم : جاهدوا أنفسكم كما تجاهدون أعداءكم (3) .
وقال صلى الله تعالى عليه وسلم : جاهدوا أنفسكم بالجوع والعطش فإن الأجر في ذلك كأجر المجاهد في سبيل الله (4) .

مرتبة المجاهد في سبيل الله
قال حضرة الرسول الأعظم صلى الله تعالى عليه وسلم : المجاهد من جاهد نفسه في سبيل الله (5) . وواضح من هذا الحديث الشريف أن مرتبة المجاهد في سبيل الله مقرونة بمجاهدة النفس أولاً قبل مجاهدة الأعداء في الخارج .
ويستفاد منها أمور :
1. من يجاهد نفسه أولاً ثم يجاهد الأعداء ينال مرتبة المجاهد في سبيل الله .
2. من يجاهد نفسه ولا تتاح له فرصة محاربة الأعداء ينال مرتبة المجاهدة كاملة .
3. من يجاهد الأعداء بلا مجاهدة النفس قد لا ينال هذه المرتبة العظيمة .
ولهذا فقد نبه الإمام علي كرم الله وجهه إلى أن أول سبب لترك جهاد الكفار هو ترك جهاد النفس فقال : أول ما تنكرون من الجهاد ، جهاد نفوسكم .
حتى قيل أن الإمام علي كرم الله وجهه كان له سيفين : سيف يجاهد به نفسه وسيف يجاهد به الكفار .

المجاهدة بين الفقهاء والعارفين
إن الأحكام الشرعية للجهاد الأصغر قد تبناها علماء وفقهاء الأمة الإسلامية ، وذلك لأنها تقع ضمن دائرة الأعمال الظاهرة في ديننا والتي هي ضمن تخصصهم ، ولقد سعوا جاهدين - ولا زالوا – إلى استنباط الأحكام التي تناسب تطورات الأحداث بما يستند إلى علم أصول الشريعة . 
وأما الأحكام الشرعية المتعلقة بالجهاد الأكبر فقد تبناها أهل الاختصاص من العارفين والمشايخ الكاملين (قدست أسرارهم أجمعين ) ، وذلك لأنها من أعمال القلوب التي ورثوا علاجها وراثة روحية عن حضرة الرسول الأعظم صلى الله تعالى عليه وسلم ، فقام كل شيخ مرشد بوضع منهج خاص يؤدي إلى ليّ عنان النفس وترويضها على الطاعات وكسر حدة شهواتها . واصطلح على هذا المنهج اسم ( الرياضة ) .
وإذا ما سلك المسلم على نهج طريقة صوفية وأخذ من الشيخ المرشد أحكام المجاهدة الباطنة ( الرياضات ) ، فإنه سيتأهل لكثير من الأمور الإيمانية ، أحدها الإخلاص في تطبيق أحكام الشريعة المتعلقة بالجهاد الأصغر التي اجتهد العلماء في وضعها .
أقوال وآراء العارفين في المجاهدة والرياضة
ألزم المشايخ والعارفين ( قدس الله أسرارهم ) نفوسهم الإقبال على الله ورسوله صلى الله تعالى عليه وسلم  والإعراض عما سواه وأن تكون خطراتهم وإراداتهم ونياتهم وأفعالهم وأكلهم وشربهم ولباسهم ونومهم ونطقهم وصمتهم ونظرهم وفكرهم واستماعهم واجتماعهم وافتراقهم وسائر حركاتهم وسكناتهم كلها لله عز وجل ، وأن يقتصروا على حد الضرورة فيما لابد للنفس منه ، وألزموها قلة المنام وقلة الطعام وترك الكلام واعتزال الأنام ، والتحلي بالصفات الحميدات ، والتخلي عن الصفات الذميمات ، وألزموها دوام المراقبة ، وهي دوام نظر العبد إلى الله تعالى وعلمه في كل نفس أن الله سبحانه وتعالى ناظر إليه ومطلع عليه ، واستغراق الأوقات بذكر الله ومجانبة الكسل والبطالة وترك الشهوات ، حتى أن منهم من أقام أربعين سنة أو أكثر أو أقل يتشهى شهوة ويمنع نفسه منها ، ومنهم من أقام في البرية في مكان واحد عدة سنين بارزاً للحر وللبرد والمطر والثلج وغير ذلك من الشدائد والعناء إلى أن ظفر ببلوغ المنى ، فكأن تلك الشدائد ما كانت ، ولذات الوصال ما زالت ، وكأن لسان حالهم يقول :
وما ضرنا ما نالنـا من كريهة        إذا ما بلغنـا بعدها غايـة المنى
كأن لم يكن ما نالنا من شدائد        وما زال ما نلنا من الوصل و الهنا
ظفرنا  بملك الملـوك حقيقـة         كما قال في ذلك ابن ادهم معلنا
أخي نحن والله الملوك بفقـرنا       لنا الملك في الدارين والعز والغنى
نولي ونعزل  والملـوك  جميعهـم    لنا خدم والذل يجـزون  والعنــا


ولم يزل الشيوخ العارفون بالله تعالى يأمرون المريدين بمباشرة الأشياء التي فيها كسر النفوس بل ذبحها ، ولا يزالون يعتادونها حتى يهون عليهم فعلها ، بل حتى يعود مرها حلوها ، مما يختار بنو الدنيا الموت دونها ، وذلك بحسب ما يراه الشيوخ الربانيون .
ومما قالوه في المجاهدة والرياضة :
يقول الإمام جعفر الصادق عليه السلام :
« طوبى لعبد جاهد لله نفسه وهواه ، ومن هزم حينئذ هواه ظفر برضا الله ، ومن جاوز عقله نفسه الأمارة بالسوء بالجهد والاستكانة والخضوع على بساط خدمة الله تعالى فقد فاز فوزاً عظيماً .
ولا حجاب أظلم وأوحش بين العبد وبين الله تعالى من النفس والهوى ، وليس لقتلهما وقطعهما سلاح وآلة مثل الافتقار إلى الله سبحانه وتعالى ، والخشوع والجوع والظمأ بالنهار والسهر بالليل . فإن مات صاحبه مات شهيداً وإن عاش واستقام أداه عاقبته إلى الرضوان الأكبر ، قال تعالى : والَّذينَ جاهَدوا فينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنينَ ( العنكبوت : 69 ) .
وإذا رأيت مجتهداً أبلغ منك في الاجتهاد فوبخ نفسك ولمها وعيرها تحثيثاً على الازدياد عليه واجعل لها زماماً من الأمر وعناناً من النهي ، وسقها كالرابض للفأرة التي لا يذهب عليه خطوة من خطواتها إلا وقد صحح أولها وآخرها . وكان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يصلي حتى تتورم قدماه ويقول : أفلا أكون عبداً شكوراً (6) ، أراد أن تعتبر به أمته .
فلا تغفلوا عن الاجتهاد والتعبد والرياضة بحال ، ألا وإنك لو وجدت حلاوة عبادة الله ورأيت بركاتها واستضأت بنورها لم تصبر عنها ساعة واحدة ولو قطعت إرباً إرباً . فما أعرض عنها من أعرض إلا بحرمان فوائد السلف من العصمة والتوفيق »(7) .
ويقول الغوث الأعظم عبد القادر الكيلاني قدس سره :
« لا تشتغل بغسل ثياب بدنك وتذرن ثياب قلبك وسخة ، اغسل القلب أولاً ، ثم أغسل الثياب آخراً ، إجمع بين الغسلين والطهارتين ، إغسل ثيابك من الوسخ ، واغسل قلبك من الذنوب ، ولا تغتر بشئ ، إن ربك فعال لما يريد »(8) .
والخلاصة :
أن المجاهدة أصل من أصول الطريقة وقد قالوا : من حقق الأصول نال الوصول ، ومن ترك الأصول حرم الوصول .
وقالوا أيضاً : من لم تكن له بداية محرقة بالمجاهدات لم تكن له نهاية مشرقة ، والبدايات تدل على النهايات (9) .
من حكايات المجاهدات والرياضات
روي عن الشيوخ السادات من المجاهدات الشديدات العديدات والحكايات الشهيرات التي حكاها العلماء والثقات ورويت بالأسانيد الصحيحات في كثير من المصنفات ما يخرج عن الحصر ، نذكر منه قطرة من بحر .
 تلك هي صورة من صور مجاهدات الشيخ عبد القادر الكيلاني قدس سره ورياضاته في الطريق إلى الله تعالى .
حكي عن الشيخ عبد القادر الكيلاني قدس سره في مناقبه أنه قال :
مكثت خمساً وعشرين سنة متجرداً سائحاً في بوادي العراق وخرائبه .
وأربعين سنة أصلي الصبح بوضوء العشاء .
وخمس عشر سنة أصلي العشاء ثم أستفتح القرآن وأنا واقف على رجل واحدة ويدي في وتد مضروب في حائط خوف النوم حتى انتهي إلى آخر القرآن عند السحر .
وكنت أمكث من الثلاثة أيام إلى الأربعين يوماً ولا أجد ما أقتات به .
وكان النوم يأتيني في صورة فأصيح عليه فيذهب .
وتأتيني الدنيا وزخارفها وشهواتها في صور حسان وقباح فأصيح عليها فتفر هاربة .
وأقمت في البرج المسمى الآن ببرج العجمي إحدى عشرة سنة وبطول إقامتي فيه سمي برج العجمي .
وكنت عاهدت الله سبحانه فيه أن لا آكل حتى ألقم ، ولا أشرب حتى أسقى .
 فبقيت فيه أربعين يوماً لا آكل شيئاً ، فبعد الأربعين ، جاء رجل ومعه خبز وطعام ، فوضعه بين يدي ومضى وتركني ، فكادت نفسي تقع على الطعام من شدة الجوع ،    فقلت : والله لا حلت عما عاهدت ربي تبارك وتعالى .
 فسمعت صارخاً من باطني ينادي : الجوع ، فلم ارتع له .
فاجتازني الشيخ أبو سعيد فسمع الصارخ فدخل علي وقال : ما هذا يا عبد القادر ؟
قلت : قلق النفس ، وأما الروح فساكنة إلى مولاها عز وجل .
قال : تعال إلي .
ومضى وتركني على حالي ، فقلت في نفسي : ما أخرج من هذا إلا بأمر .
 فجاءني أبو العباس الخضر عليه السلام وقال : قم وانطلق إلى أبي سعيد .
فجئته وإذا هو واقف على باب داره ينتظرني وقال لي : يا عبد القادر ألم يكفك قولي لك تعال إلي حتى أمرك الخضر بما أمرتك به ؟
ثم أدخلني داره ، فوجدت طعاماً مهيئاً ، فجلس يلقمني حتى شبعت ، ثم ألبسني الخرقة بيده ، ولازمت الاشتغال عليه .
وكنت قبل ذلك في سياحاتي ، فأتاني شخص ما رأيته قبل .
فقال لي : هل لك في الصحبة ؟
قلت : نعم .
قال : بشرط ألا تخالفني .
قلت : نعم .
قال : اجلس هنا حتى آتيك .
وغاب عني سنة ، ثم عاد إلي وأنا في مكاني ، فجلس عندي ساعة ، ثم قام وقال : لا تبرح من مكانك حتى أعود إليك .
 وغاب عني سنة أخرى ، ثم جاء وأنا في مكاني ، فجلس عندي ساعة ثم قام وقال : لا تبرح من مكانك حتى أعود إليك .
 فغاب عني سنة أخرى ، ثم عاد ومعه خبز ولبن ، فقال لي : أنا الخضر ، وقد أمرت أن آكل معك فأكلنا ، ثم قال : قم فادخل بغداد ، فدخلنا جميعاً .
 فقيل للشيخ : من أين كنت تقتات في تلك السنين الثلاث ؟
قال : من المنبوذات (10) .

الهوامش :
(1)  - انظر : المعجم العربي الأساسي : ص271-272
(2)  - كشف الخفاء ج: 1 ص: 511  برقم  1362 ، انظر فهرس الأحاديث .
(3)  - جامع العلوم والحكم ج: 1 ص: 196 ، انظر فهرس الأحاديث .
(4)  - المصدر نفسه  ، انظر فهرس الأحاديث .
(5)  - سنن الترمذي ج 4 ص 165 ، انظر فهرس الأحاديث .
(6)  - صحيح مسلم ج: 4 ص: 2172 برقم 2820 ، انظر فهرس الأحاديث .
(7)  - عادل خير الدين– العالم الفكري للإمام جعفر الصادق – ص 291 .
(8)  - السيد الشيخ محمد عبد الكريم الكسنـزان – جلاء الخاطر من كلام الشيخ عبد القادر الكيلاني – ص37 .
(9)  - عبد القادر عيسى – حقائق عن التصوف – ص 129 .
(10)  - الشيخ عبد الله اليافعي – نشر المحاسن الغالية – ص 278 .
الرجوع الى بداية الصفحة     نسخة للطباعة
الاسم: نور الهدى النعيمي      البلد: العراق بغداد       التاريخ: 12-07-2011
قال نبينا محمد (صلى الله تعالى عليه وسلم) عدنا من الجهاد الأصغر الى الجهاد الأكبرقالوا يارسول الله وما الجهاد الأكبر قال (صلى الله تعالى عليه وسلم) جهاد نفسك التي بين جنبيك


أضف تعليقا
الاسم
البلد
البريد الالكتروني
التعليق
اكتب الارقام الظاهرة في الصورة