الرئيسية     نداء الى العالم     مختارات مترجمة    الارشيف     اتصل بنا
المعقول واللامعقول في الإسلام

المعقول واللامعقولسلام حازم
يراد بالمعقول في الإسلام هو كل ما أدركه عقل الإنسان من عوالم الوجود استرشاداً بكتاب الله الكريم وسنة رسوله المصطفى سيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم .
وإن اختلاف مراتب العقول عند الناس جعل الفهم والإدراك متفاوتاً أما التزمت بالرأي والتطرف في الدين من خلال الإفراط أو التفريط فهو اللامعقول لأن أساسه تقوقع فكري قائم على الهوى والنفس ولا يمت بصلة إلى دين الإسلام الذي هو دين رباني أنزله الحي القيوم وليس من وحي بشر . وجاء به حضرة سيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم الرحمة المهداة لكل العالمين أي لكل عوالم الوجود ما علمنا منها وما لم نعلمه . والقرآن الكريم هو كتاب الله سبحانه وخطابه لكل الخلق والذي أحصى كل شيء وأحاط به : سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ . . . ( فصلت 53 ) ، إن العقل إدراك وعلم ومعرفة للوجود من خلال معرفة أرواح الأشياء أو من خلال صفاتها أو أفعالها حركة كانت أو سكون ، وما ينتج عن تناقضاتها والتأثير فيها من أجل خير الإنسانية واستمرار الحياة .

قال حضرة السيد الشيخ محمد الكسنزان الحسيني ( قدس سره ) : ( يتبين من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية أن طلب العلم والتعلم واجب على كل فرد من أفراد الأمة الإسلامية ذكراً كان أم أُنثى وبالدرجة الأولى علوم الدين الإسلامي من حقيقة وشريعة لأن أساس الدين هو القرآن والقرآن علم إلهي يجمع الكون كله بين طياته فلا بد للمسلم من الإلمام بالعلم والتفقه في سبيل استيعاب المبادئ والتعاليم القرآنية التي هي دستور الإسلام ومهده الأولى والعلوم على نوعين الأول هو العلوم الظاهرية وتشمل كل العلوم الدينية التي يمكن أن تدرس وتعلم في الكتب إضافة إلى العلوم المادية الأخرى كالطب والرياضيات والطبيعيات وعلم الاجتماع وعلم النفس والعلوم الفضائية . أما الثاني فهو علم الطريقة وهي العلوم الروحية التي لا يمكن أن تكتسب ولا تدرس من الكتب إلا عن طريق المصاحبة للشيوخ العارفين والسلوك على أيديهم ) ( 1 ) .
فالعلماء الماديون اعتمدوا في علومهم على الملموس والمحسوس لعجز نظرياتهم ووسائلهم العلمية ( المختبرات ) من الوصول إلى أرواح الأشياء ( ماهيتها وذواتها ) واعتبروا كل ما وراء الطبيعة محض خيال فباتوا في فلك المادة مقيدون وقد نحت علوم الظاهر في الإسلام نفس المنحى حيث قيدت أصحابها دائرة الملموس والمحسوس واعتمدوا مبدأ القياس والاستحسان من خلال الارتكاز على المرتبة الأولى للعقل ووسائلها الحواس الخمسة واعتبروا ما خالفها من العلوم بدعة وضلالة .
وقد يتعدى ذلك إلى التكفير وقد كلف ذلك أمة الإسلام الكثير الكثير من دماء السلف الصالح وكان سبباً في تفرق الأمة إلى طوائف وفرق وأحزاب وأن هذه الفتنة وقع بها أصحاب الأديان السابقة من الأمم وحذرنا الحق عز وجل من الوقوع بها : مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ( الروم 32 ) ، فتناقلت الأجيال هذه الفتنة ودونت علومها الظنية في الكتب وتزمتوا بها بالشكل الذي جعل وحدة الأمة ضرب من ضروب الخيال فالتكفير للآخر أضر بأواصر أخوة الدين .

رغم أن أبناء الأمة متفقون جميعاً على أركان الإسلام ( الشهادتين – الصلاة – الصوم – الزكاة – الحج لمن استطاع إليه سبيلا ) ورغم أن الرب واحد والكتاب واحد والنبي واحد والقبلة واحدة ولا ينكر أي مسلم الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره من الله تعالى . إن هيمنة مرتبة العقل المادي كان السبب في الوهن والضعف والتمزق والتناحر الذي أصاب الأمة لأن أصحابه أنكروا وللأسف مراتب العقل الأخرى التي اختص بها الجانب الروحي في الإسلام ورفضوا الحوار والاعتماد على الحجة والبيان والبرهان : . . . قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ( البقرة 111 ) ،  إن المرتبة الثانية للعقل مقرها القلب ووسيلتها النور وهي خاصة بالركن الثاني للدين وهو الإيمان : قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ . . . ( الحجرات 14 ) ، وقد أشار الحق جل وعلا في آي الذكر الحكيم إلى النور : . . . نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ . . . ( النور 35 ) ، فالنور هبة الله سبحانه لمن أراد الحق : . . . وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ ( النور 40 ) ، ورد في الحديث القدسي : اتَّقُوا فِرَاسَةَ الْمُؤْمِنِ فَإِنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِ اللَّهِ ( 2 ) ،وعلوم هذه المرتبة من العقل علوم لدنية : فَوَجَدَا عَبْداً مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْماً ( الكهف 65 ) ، فقلوب المؤمنون تختلف عن غيرها : . . . فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ( الحج 46 ) ، وليست كالقلوب القاسية : ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً . . . ( البقرة  74 ) ، أما المرتبة الثالثة من العقل فمقرها الروح وهي علوم ربانية علوية : وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً ( الإسراء 85 ) ، فعالم الأرواح عالم علوي وهو عالم الأمر : يُنَزِّلُ الْمَلآئِكَةَ بِالْرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ . . . ( النحل 2 ) ، ورد في الحديث الشريف : الْأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ (3) ، عن عمر بن الخطاب رضوان الله عليه قال . قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم : إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ لَأُنَاسًا مَا هُمْ بِأَنْبِيَاءَ وَلَا شُهَدَاءَ يَغْبِطُهُمْ الْأَنْبِيَاءُ وَالشُّهَدَاءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِمَكَانِهِمْ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ تُخْبِرُنَا مَنْ هُمْ قَالَ هُمْ قَوْمٌ تَحَابُّوا بِرُوحِ اللَّهِ عَلَى غَيْرِ أَرْحَامٍ بَيْنَهُمْ وَلَا أَمْوَالٍ يَتَعَاطَوْنَهَا فَوَ اللَّهِ إِنَّ وُجُوهَهُمْ لَنُورٌ وَإِنَّهُمْ عَلَى نُورٍ لَا يَخَافُونَ إِذَا خَافَ النَّاسُ وَلَا يَحْزَنُونَ إِذَا حَزِنَ النَّاسُ وَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ : أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (4) ، إن أصحاب هذه المرتبة من العقل يعرفون الأشياء بأرواحها لأنهم عارفون بالله ووهبهم سبحانه سلطة التكوين والتمكين ( التصريف ) فخرقوا العادة وقوانين الطبيعة وأعجزوا العلوم والعقول بأفعالهم وصفاتهم .

يقول حضرة السيد الشيخ الغوث عبد القادر الجيلاني ( قدس سره ) ( لا تكن أبلهاً تنازع الله عز وجل وتناظره بحماقتك برأس مالك الذي هو دينك اغمض اطرق تأدب اعرف من أنت اعرف قدرك وما ذاك إلا بأن تعرف نفسك أنت عبد والعبد وما يملك لمولاه ليس له في نفسه تصرف العبد يجب عليه أن يترك إرادته لإرادة سيده اختياره لاختيار سيده قوله لقول سيده أنت تتواقح على الله عز وجل لأجل نفسك والقوم يتواقحون على ربهم لأجل الخلق يسألونه فيهم ويلحون عليه لأجلهم هم الذين ودعوا الخلق وطهروا قلوبهم عن الخلق لا يبقى في قلوبهم ذرة من الخلق هم قيام معه وبه وله هم في بسط كلي بلا قبض عز كلي بلا ذل عطاء كلي بلا حرمان إجابة كلية بلا منع قبول كلي بلا رد فرح كلي بلا ترح قدرة بلا عجز قوة بلا ضعف نعمة بلا نقمة قد ألبسوا خلع الكرامه وسلم إلى قلوبهم التوفيق بالتفويض والتمكين والتكوين صار التكوين في أيديهم كنزاً لا ينفد ومعيناً لا ينضب كلما خافوا زادهم أمناً كلما تأخروا قدم لهم قول مسموع وشفاعة مقبولة فوض إليهم ملك الدنيا والآخرة من وراء معقول الخلق ينادون في الملكوت عظماء ) (5) ، لقد أشارت إلى كراماتهم آي الذكر الحكيم وكذلك السنة المطهرة وسيرة السلف الصالح رضوان الله عليهم ولا مجال لإنكارها لأنها تستمر إلى يوم القيامة على يد أولياء الله والمشايخ الكاملين ( قدست أسرارهم ) ، لأنهم الوارث الروحي لحضرة سيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم وقد بين الحق ( عز وجل ) بعض مقاماتهم وهي ( التوكل – التوبة – الصبر – الصدق – الورع – الزهد – الشكر – التقوى – المحبة – الخوف – الرجاء – الإخلاص – الرضا ) ،كما بين لنا سبحانه بعض صفاتهم ( أولوا الأبصار – أولوا الألباب – أولوا العزم – أولوا القول – أولوا الأيدي – أولوا النهى ) .

كما أشار سبحانه إلى درجاتهم ( الأنبياء – الصديقين – الشهداء – الصالحين ) ، ولهم صفات أخرى ( الأبرار – الصادقون في العهد – الخاشعون – الأخيار – المخبتون – الأوابون – الذاكرون – المتبتلون – السائحون – أهل التقوى وأهل المغفرة – الوارثون – أهل اليمين – أهل الحكمة – المحسنون – السابقون السابقون . . . الخ ) ، لما تقدم ذكره نخلص إلى القول أن الإنسان كائن عاقل ولكن تتفاوت مراتب العقل بينهم والإنسان السوي هو الذي لا يتطرف في الدين سواء كان إفراط أو تفريط ولا يتزمت بالرأي ويعتمد الدراسة والبحث والحوار من أجل الوصول إلى الحقائق لأن التطرف والتزمت في الرأي هو اللامعقول .
ورد في الخبر : أطلبوا العلم من المهد إلى اللحد ، والوصول إلى العلم والمعرفة يتم عن طريقين : الأول هو العلم الكسبي ويؤخذ بالدراسة والكتب والبحث العلمي لبلوغ الجانب المادي في الإسلام أما الثاني فهو العلم الوهبي والوصول إليه من خلال الاشتغال بتزكية البواطن لبلوغ التقوى : . . . وَاتَّقُواْ اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ . . . ( البقرة 282 ) ، لبلوغ الجانب الروحي في الإسلام والذي اختص به علم التصوف لأنه اعتمد على السلوك على يد الشيخ الكامل الوارث الروحي لحضرة سيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم ومن خلال نورانيته وروحانيته وقربه من الحق عز وجل يصل المريد إلى مقامات الإيمان ثم الإحسان وعندها ينال محبة الله ومرضاته وذلك هو الفوز العظيم ورد في الحديث الشريف : من عمل بما علم ورثهُ الله علم ما لم يعلم (6) ، نسأل الله الهداية لنا ولكل الناس ولا حول ولا قوة إلا بالله العظيم وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصل اللهم على سيدنا محمد الوصف والوحي والرسالة والحكمة وعلى آله وصحبه وسلم تسليما . 

الهوامش :
(1) - كتاب الطريقة العلية القادرية الكسنزانية ص 115 .
(2) - سنن الترمذي ج 10 / ص 399 .
(3) - صحيح البخاري ج 11 / ص 117 .
(4) - سنن أبي داود ج 9 / ص 404 .
(5) - كتاب الطريقة العلية القادرية الكسنزانية ص 218 .
(6) - المنقذ من الضلال ج 1 / ص 16 .

المصدر :- مشاركة من الكاتب .
الرجوع الى بداية الصفحة     نسخة للطباعة
الاسم: ابراهيم أكرم الدهيبي      البلد: لبنان       التاريخ: 28-10-2008
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن ولآه أما بعد فجزاكم الله كل الخير على هذا المقال المبارك ولكن نرجو منكم أن تضيفوا فضل العلم والتعلم وما هما وما يتعلق بهما ومراتبه وجزاكم الله كل الخير والسلام على من أتبع الهدى وخشي الرحمن بالغيب ورحمة الله وبركاته

الاسم: ابراهيم أكرم الدهيبي      البلد: لبنان       التاريخ: 28-10-2008
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن والآه أما بعد فجزاكم الله كل الخير على هذه الموسوعه المباركة من مدح المصطفى عليه الصلاة والسلام ولكن نرجو منكم أن ترسلوا لنا أنشودة يا رسول الله يا باب السلوك لا تخيب لعبيد قصدوك وجزاكم الله كل الخير مع السلام على حضرت الغوث قدس الله سره العزيز والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الاسم: فرات نوري      البلد: العراق \\ واسط       التاريخ: 15-08-2009
اللهم صلي على سيدنا محمد الوصف والوحي والرسالة والحكمة وعلى الة وصحبة وسلم تسليما بارك الله فبكم على هذا المقال الرائع والمفيدوارجو ان تزودونا باكثرمن هذا خدمة لدين الله تعالى المتمثل بلصادقين والمتمسكين بحبل الله المتين والسلام عليكم


أضف تعليقا
الاسم
البلد
البريد الالكتروني
التعليق
اكتب الارقام الظاهرة في الصورة