الرئيسية     نداء الى العالم     مختارات مترجمة    الارشيف     اتصل بنا
صوم رمضان تزكية وهداية وغفران

صوم رمضانسلام حازم
يراد بصوم رمضان تزكية البواطن والأبدان طاعة واحتساباً لله الواحد الديان وتوبة نصوحاً وصبر جميل ينال فيها الإنسان المغفرة والهداية من العزيز الرحمن فيرتقي إلى مقامات الإيمان والإحسان : شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ . . . ( البقرة 185 ) ، إن شهر رمضان هو سيد الشهور عند الله فيه سيدة الليالي ألا وهي ليلة القدر : لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ . . . تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ . . . سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ ( القدر3 – 4 – 5 ) ، وصيامه جنة وعبادة يشترك فيها ظاهر الإنسان وباطنه فيها طهارة البدن من النجاسات والأدران .
ورد في الحديث الشريف : صوموا تصحوا  ( 1 ) ، وطهارة للعقل من النجاسات الفكرية المعتمدة على المنكر وطهارة للقلب من النجاسات المعنوية وشفاء للصدور وتزكية للنفس والهوى والطبع وفرصة ينال فيها الصائم الهداية والمغفرة من الحق عز وجل ورد في الحديث القدسي : كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فهو لي وأنا أجزي به الصيام جنة والذي نفس محمد بيده لخلوف الصائم أطيب عند الله يوم القيامة من ريح المسك  ( 2 ) ، لذلك كان صوم رمضان هو البداية في سلوك طريق الحق سبحانه والنهاية عند الرحيل من هذه الدنيا التي جعلها الله سبحانه مزرعة الآخرة إن التوبة النصوح والاستغفار الدائم جزاءها عند الله سبحانه الغفران : وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ( الأنفال 33 ) ، قال الإمام علي ( كرم الله وجهه ) في الاستغفار : ( إن الاستغفار هو درجة العليين وهو اسم واقع في ستة معاني وهي : الندم على ما مضى ، والعزم على ترك العودة إليه ، وأن تؤدي إلى المخلوقين حقوقهم حتى تلقى الله وليس عليك تبعة ، وأن تعمد إلى كل فريضة عليك ضيعتها فتؤدي حقها ، وأن تعمد إلى اللحم الذي نبت من السحت فتذيبه بالأحزان حتى تلصق الجلد بالعظم وينشأ بينهما لحم جديد ، وأن تذيق الجسم ألم الطاعة كما أذقته حلاوة المعصية . وعند ذلك تقول أستغفر الله ) ( موسوعة الكسنزان فيما اصطلح عليه أهل التصوف والعرفان ج17 – ص 55 ) ، قاتل الله الغفلة فإنها جعلت البعض من المسلمين لم يسمعوا خطاب الأرض اليومي للإنسان والذي تقول فيه بلغة الحال اليوم تمشي على ظهري ومصيرك بعد حين في بطني ، تأكل الشهوات على ظهري ، ويأكلك الدود في بطني ، فأنا بيت الوحشة والسؤال والوحدة ، فاتبعوا الهوى والظن واعتقدوا أنهم محسنون وهم على غير ذلك لأنهم لم يحسنوا إلا لمن أحسن إليهم ، ولم يصلوا إلا لمن أوصلهم ، ولم يطعموا إلا من أطعمهم ، ولم يكرموا حباً في الله بل لغايات في أنفسهم ، فلم يكن لأحدهم فضل على الآخر .
إن المحسنين هم الذين آمنوا بالله ورسوله ، وكانوا يتقون ويحبون من أساء إليهم ، ويصلون من قطعهم ، ويعطون من حرمهم ، ويأمنون من خانهم ، ويؤثرون على أنفسهم لأن عبادتهم أساسها الخوف والرجاء من الله سبحانه ، وارتقوا إلى الهيبة والحياء من الله جل وعلا وصاروا إلى الحب والفناء فرضي الله عنهم وأرضاهم . وكم من عابد أفسده العجب ، وكم من غني أفسده الغنى ، وكم من فقير أفسده الفقر ، وكم من صحيح أفسدته العافية ، وكم من عالم أفسده علمه ، وكم من جاهل أفسده جهله . . .   
إن للصوم دعائم والالتزام بها يورث الهداية والمغفرة والقرب من الحق عز وجل وأولها المحبة وهي محبة الله سبحانه من خلال محبة حضرة سيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم . ورد في الحديث الشريف : لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ماله وأهله والناس أجمعين ( 3 ) ، واتباعه صلى الله تعالى عليه وسلم بصدق وإخلاص نيةً وقولاً وعملاً من خلال أخذ البيعة والعهد من الوارث الروحي المحمدي ( الشيخ الكامل ) لأن في هذه اللمسة الروحية إشراقة النور على قلب الإنسان وفيها الدخول إلى الجانب الروحي في الإسلام وكذلك الإكثار من الصلاة على الهادي البشير والسراج المنير حضرة سيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم لأنها طب القلوب ودوائها وعافية الأبدان وشفائها ونور الأبصار وضيائها ورد في الحديث الشريف : من صلى علي واحدة صلى الله عليه عشر صلوات وحط عنه عشر خطيئات ورفع له عشر درجات  ( 4 ) ، وبالتأكيد لا يعرف معنى الصلاة على حضرة المختار سيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم إلا من دخل نور الإيمان في قلبه لأن أصل خطاب الحق عز وجل موجه إلى المؤمنين : إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً ( الأحزاب 56 ) ، والدعامة الثانية هي مجاهدة النفس وأساسها التوكل على الله سبحانه : . . . وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ . . . ( الطلاق 3 ) ، والصبر على البلاء : الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ . . . أُولَـئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ . . . ( البقرة 156 – 157 ) ، والرضا بقضاء الله وقدره ، والإكثار من الصلاة فرضاً ونافلة ، وقراءة القرآن بتدبر واعتبار : كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ ( ص 29 ) ، وكثرة الذكر والتسبيح ، وفيهما جلاء القلوب وطلب القرب من المحبوب فهما سلاح المؤمن في كشف الكروب وعلامة المحبة هي الإكثار من ذكر المحبوب : فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ ( البقرة 152 ) ،  لأن الصوم ليس بالامتناع عن الأكل نهاراً والإسراف في الأكل ليلاً . الدعامة الثالثة وهي التقوى : . . . وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً . . . وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ( الطلاق 2 – 3 ) ، فبالتقوى يخرق الحجاب ويصل الصائم إلى رب الأرباب ومسبب الأسباب سبحانه وتعالى عما يصفون .
قال حضرة السيد الشيخ الغوث عبد القادر الجيلاني ( قدس سره ) ، في الحجب : ( الحجب أربعة : حجاب الخلق وهو حجابك عن نفسك فما دمت ترى الخلق لا ترى نفسك . وحجاب النفس وهو حجابك عن ربك وما دمت ترى نفسك لا ترى ربك وحجاب الدنيا وهو حجابك عن الآخرة وحجاب الآخرة وهو حجابك عن رب الدنيا والآخرة ) (5) ، وبالتقوى يقطع المؤمن شباك إبليس ( الغفلة – الشهوة – الرياسة – المال – الجهل – طول الأمل ) فصوم رمضان يعني استقامة العبد على الصراط المستقيم الذي هو اتباع كتاب الله الكريم وسنة رسوله حضرة المصطفى صلى الله تعالى عليه وسلم .
قال حضرة السيد الشيخ محمد الكسنزان الحسيني ( قدس سره ) ، في الاستقامة : ( هي مواصلة السلوك الدائم على نهج القرآن الكريم ونهج الرسول الأعظم سيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم وهي الخروج عن المعهودات ومفارقة الرسوم والعادات والقيام بين يدي الله على حقيقة الصدق وهي المداومة للسالكين والمؤمنين على العبادات والطاعات حتى يحظوا بلقاء ربهم وهي الصدق والعمل الصالح ) ، وبناءً على ما ذكرناه سلفاً يتضح لنا أن الصيام عملية تربوية تعليمية فهي تربوية لأن فيها الالتزام بالطاعة وبذل الجهد من خلال تزكية ظاهر الإنسان وباطنه وتعليمية لأن جزاء الصائم فيها من الله سبحانه الهداية والغفران والقرب من الله سبحانه والتحقق بأركان الدين الثلاثة التي هي الإسلام والإيمان والإحسان . نسأل الله الهداية لنا ولكل الناس وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصل اللهم على سيدنا محمد الوصف والوحي والرسالة والحكمة وعلى آله وصحبه وسلم تسليما .


الهوامش :
(1) - المقاصد الحسنة - ج 1 ص 127 .
(2) - صحيح الترغيب والترهيب ج 1 ص 237 .
(3) - السنن الكبرى للنسائي ج 6 - ص 534 .
(4) - كنز العمال - ج 1 - ص 491 .
(5) - موسوعة الكسنزان فيما اصطلح عليه أهل التصوف والعرفان ج6 – ص 175 .
(6) - المصدر نفسه - ج18 – ص 384 .
المصدر :- مشاركة من الكاتب .
الرجوع الى بداية الصفحة     نسخة للطباعة

أضف تعليقا
الاسم
البلد
البريد الالكتروني
التعليق
اكتب الارقام الظاهرة في الصورة