الرئيسية     نداء الى العالم     مختارات مترجمة    الارشيف     اتصل بنا
 
مع مقاربات التصوف
وقفة مع المقاربة اللغوية - المصطلحية

يتناول هذا المقال بالدراسة و التحليل آليات الخطاب الصوفي من مجاز واستعارة وكناية واعتماد الإشارة عوض العبارة والرمز و غير ذلك إن المقاربة اللغوية - المصطلحية تنصف الصوفية درك بعضا من حقيقة خطابهم ، فالصوفية يستعملون كل الآليات اللغوية المعروفة ، والتي إن أنكرناها فإن كل الخطابات سيكتنفها الغموض، وتصبح دلالتها معرضة إلى أن تحمل على غيرمحملها، ومن هذه الآليات المجاز لاستعارة والكناية والعام الذي يراد به الخاص، والخاص الذي يراد به العام واعتماد الإشارة عوض العبارة إلى غير ذلك، ففي لسان القوم من الاستعارات وإطلاق العام وإرادة الخاص وإطلاق اللفظ وإرادة إشارته دون حقيقة معناه ما ليس في لسان أحد من الطوائف غيرهم، ولهذا يقولون :'' نحن أصحاب إشارة لا أصحاب عبارة'' والإشارة لنا والعبارة لغيرنا ''. وصار هذا سببا لفتنة طائفتين :طائفة تعلقوا عليهم بظاهر عباراتهم فبدعوهم وضللوهم.
وطائفة : نظروا إلى مقاصدهم ومغزاها، فصوبوا تلك العبارات وصححوا الإشارات، فطالب الحق بقلبه ممن كان ويرد ما خالفه(1)·من القضايا التي يمكن أن تضيء المقاربة اللغوية جوانبها قضية استعمال الرمز في اللغة الصوفية، وهو أمر يعود '' إلى قصور اللغة الوضعية نفسها، إذ أنها لغة وضعية اصطلاحية تختص بالتعبير عن الأشياء المحسوسة والمعاني المعقولة، في حين أن المعاني الصوفية لا تدخل ضمن نطاق المحسوس. وقرر الغزالي ذلك الأمر أيضا·في قوله : '' لا يحاول معبر أن يعبر عنها (أي الحقيقة الصوفية)·إلا اشتمل لفظه على خطإ صريح، لا يمكنه الاحترازعنه''·
ومن الملاحظات المهمة حول طبيعة (الرمز) الصوفي لجوء الصوفي اضطرارا إلى استخدام الأمثلة المحسوسة في التعبير عن معان غير محسوسة وغير معهودة، وهذا ما وضحه الغزالي في قوله :'' اعلم أن عجائب القلب خارجة عن مدركات الحواس''، وهو ما أثبته - فيما بعد - الباحثون سمة ملازمة لطبيعة الرمز الصوفي.
·إن هذه الطبيعة المزدوجة المتناقضة في التعبير عما هو غير محسوس بمثال محسوس تضفي على الرمز الصوفي قابليته للتأويل بأكثر من وجه، ولهذا يصادفك أكثر من تأويل واحد للرمز الواحد، مما يجعل الرمز الصوفي بقدر ما يعطي من معناه فهو في نفس الوقت يخفي من معناه شيئا آخر، وهكذا يكون الرمز خفاء وظهورا معا وفي آن واحد. فهو على نقيض الرمز الرياضي الذي أريد له أن يضبط الدلالة ويقصي بعيدا أية إمكانية أو مرونة للتأويل أو التفسير الذي قد تحمله العبارات اللغوية الاعتيادية''(2)·
ان مسألة حجاب الرمز الذي قد يحول بين القارئ وبين النص الصوفي هي من أعوص المشكلات، باعتبار أن حجاب الرمز هذا قد يكون وراء كثير من التشوهات التي تلحق فهم القارئ للنص، وبالتالي إلى تشوه الرؤية الفكرية للتصوف ككل، ومن هنا كان من الضروري التوسل بآليات فهم النص الصوفي كي لا تقع في هذه المزالق، خصوصا وأن ''مؤلفات وأقوال المتصوفة تزخر بالرمز، والرمز من حيث هو رمز، له قابلية لتأويلات شتى، لذا شدد المتخصصون على وجوب الحذر، يقول عفيفي:'' كان لزاما على الناظر في أقوال الصوفية أن يكون على حذر في فهمها وتأويلها والحكم عليها، وإلا صرفها إلى غير معانيها، وقديما أنشد أحد الصوفية:
إذا نطقوا أعجزك مرمى رموزهم
                    وإن سكتوا هيهات منك اتصاله

إن القراءة الجامدة التي تقصي البعد الوجداني في النص الصوفي هي قراءة واقعة في خلل الفهم لا محالة، فالرمز الصوفي ''عالم خاص لكي ندخله لا بد أن نتجاوز'' العقل'' (4)،لأنه إنما يعمل وفقا لمبدأ الذاتية وعدم التناقض والرمز على العكس من ذلك يحتضن الأطراف المتناقضة وهو لا ينكشف لنا عن طريق التصورات المجردة، وإنما يكشفه الحدس الذي يمس باطن الذات فيجلو لها حقائق تجل عن الفهم، لو أردنا أن نتناولها بعدة المنطق التقليدي والمعرفة العقلية، ومعنى هذا أن التجربة الصوفية ينبغي أن تفسر بمنطق آخر عاطفي وجداني،لأننا لسنا في مجال فيزيائي يعتمد على المعطيات الحسية، وهذا المنطق المفسر للتجربة الصوفية بما فيها من وضعية روحية وما فيها من أذواق وتلويحات وظواهر نفسية ووجودية على إثبات التمزق والوحدة المتوترة التي تستقطب الأطراف المتقابلة.·
وتوضيح ذلك أن الصوفي إنما ينشد خلاصه ويحقق علوه وهو مغروس في طينة هذا العالم الذي يبدو موقفا نهائيا مفروضا، لكنه في ارتباطه بالعالم يستوحش مما سوى الله لأنه هو الوجود الحق المطلق. وهكذا تنمو النزعة الصوفية تحت تأثير ديالكتيك وجداني يتسم بالتوتر.
وهاهنا ينبغي أن نميز بين لغة موضعية ولغة رمزية وفقا للتمييز بين ما هو فيزيائي وما هو نفسي حيوي، ومن البديهي أن التجربة الصوفية لا يجدي في تناولها اللغة الأولى لأنها تجربة ذات طابع نفسي حيوي، ولذا نجدها لغة مرموزة توائم ما تعبر عنه من أحوال نفسية ووجودية عالية'' (5).
وتجرنا المقاربة اللغوية إلى المقاربة الإبداعية الأدبية، وهو مجال للصوفية فيه الباع الطويل باعتبار ما أنتجوه من أدب عال شعرا ونثرا، وإن كنا سنجد أن البعض يؤاخذ الصوفية نظرا لبعد غور الرمزية التي يستعملونها في أدبهم، والحقيقة هي ما عبر عنها صاحب اتجاهات الأدب الصوفي الذي يقول: '' التصوف في حقيقته إيثار وتضحية، وهو نزوع فطري إلى الكمال الإنساني والتسامي والمعرفة، والواقع أننا إذا تأملنا أدب الصوفية شعرا ونثرا·وجدنا رمزا غريبا، ونمطا عجيبا، وبعدا عن التصريح، وإيثارا للتلويح، واعتمادا على الإشارة، وعلاقات خفية في التجوز بالكلام، ودرجات بعيدة بين المعاني الحقيقية والمعاني اللزومية لا يكاد يفهمها فاهم، ولا يصل إلى جوهرها عالم أو حالم"·وليس الرمز في الشعر الصوفي راجعا إلى الكنايات البعيدة وحدها، وإطلاق أسماء من قبيل الرموز الخفية على مسميات لا يراد التصريح بها، كإطلاقهم الخمرة على لذة الوصل ونشوته.والمعاني الحسية التي يستعملها الصوفية في الدلالة على المعاني الروحية يرمزون بها إلى مفاهيم وجدانية على الرغم من الرداء المادي الذي تبدو فيه، ومن ثم استعمل الصوفية الوصف الحسي والغزل الحسي والخمر الحسية وأرادوا بها معاني روحية.
وسبب ذلك هو عجز الصوفية في طوال الأزمان عن إيجاد لغة للحب الإلهي تستقل عن لغة الحب الحسي كل الاستقلال، والحب الإلهي لا يغزو القلوب إلا بعد أن تكون قد انطبعت عليه آثار اللغة الحسية، فيمضي الشاعر إلى تصوير عالمه الجديد، فالصوفية يطلقون الخمر والعين والخد والوجه، ألفاظا ترمز إلى مدلولات غير تلك التي تعارف عليها الناس في دنيا الحس. والرمزية في الغزليات والخمريات ليست بالغريبة عن الشعر الصوفي في الإسلام، بل إنها لم تبد في غير التصوف بمثل هذا الغنى وعلى نحو من ذلك الصدق، ومع ذلك ابتكر الصوفية ألفاظا جديدة لهم هي أقرب إلى المصطلحات العلمية التي لا يقف على معانيها إلا الواصلون إليها. إن الصوفي لا يشرك في الحب أبدا، محبوبه واحد لا يريم عنه، ومعشوقه ثابت لا يتغير ولا يتبدل، ولكنه يعبر عنه بتعابير مختلفة، وذلك لإظهار الهيام وألوانه. وقد يكون سببه إظهار الحيرة، والصوفي الحق يرتاح إلى الحيرة كما يرتاح الجاهلون إلى اليقين، وأحيانا يكون الرمز أيضا بكثرة اللوازم والوسائط المستعملة بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي، ولهذا نظير في الكنايات البعيدة والاستعارات البعيدة في البيان.
وأحيانا أخرى يكون سبب الرمز أن الأديب لا يتحدث بلغة العقل، بل بلغة الروح والباطن والمشاعر الخفية، وأنه يعبر عن معان عميقة لا يمكن أن يفهمها العامة ولا كثير من الخاصة، وغير ذلك من الأسباب. والرمزية الموضوعية التي قد يكون من أسبابها الموضوع نفسه أو استعمال الأقيسة المنطقية والمقاييس الفلسفية، والأولى قد يمكن أن تعرف بأنها الإغراق في أوجه البديع والبيان، وخاصة الاستعارة والمجاز والتمثيل والتورية. وهكذا نجد الرمزية شاعت شيوعا كثيرا في كتابات الصوفية نثرها وشعرها وقد يكون الصوفية مضطرين إلى استعمال الرمز لأن الحاجة ألجأتهم إليه لأنهم يعبرون عن معان ومشاهد وإحساسات نفسية لا عهد للغة بها ولا بالتعبير عنها··''(6)·

الهــوامش:-
1 -ابن القيم ، مدارج السالكين ، ج 3 ص .330
2 -ناجي حسين جودة ، المعرفة الصوفية) دراسة فلسفية في مشكلات المعرفة) ص 129·
3 -ناجي حسين جودة، المعرفة الصوفية "دراسة فلسفية في مشكلات المعرفة" ص .129
4 -العقل هنا بمعناه اليوناني، انظر في هذا الصدد كتاب تجديد المنهج في تقويم التراث، د· طه عبد الرحمن
5 -د· عاطف جودة نصر، شعر عمر بن الفارض : دراسة في فن الشعر الصوفي ص،143 .
6 -الدكتور علي الخطيب، اتجاهات الأدب الصوفي، ص .

 المصدر:- موقع الاشارة
http://www.tariqa.org/ishara/n28/ghani28.php  
الرجوع الى بداية الصفحة     نسخة للطباعة
الاسم: د محمد صالح رشيد      البلد: العراق       التاريخ: 25-02-2012
عندما أقرأ نصا من الأدب الديني الصوفي أشعر أن الغموض فيه سمة متوائمة ومناسبة وليست سمة تحسب عليه.. لأن فضاء التصوف غير فضاء الأدب الواقعي - الإجتماعي وحتى التخيلي ... هكذا أدب ( الصوفي) ينبث من ملكوت خاص يسمو على مرجعيات الواقع والحس....


أضف تعليقا
الاسم
البلد
البريد الالكتروني
التعليق
اكتب الارقام الظاهرة في الصورة