الرئيسية     نداء الى العالم     مختارات مترجمة    الارشيف     اتصل بنا
الجمال القرآني من منظور صوفي وانعكاسه في الزخرفة الإسلامية-2-

.د.ضاري مظهر صالح العامري
أستاذ علم الجمال في كلية الفنون الجميلة
جامعة بابل

الفصل الثاني

الجمال القراني من منظور صوفي وانعكاسه في الزخرفة الإسلامية.
يرى ابن عربي:ان القران الكريم يحوي جلال الجمال وعلى الجمال،اما الجلال المطلق،فليس لمخلوق في معرفته مدخل ولاشهود انفرد به الحق. ان جميع الايات التي تتضمن الرحمة هي ايات جمال ىكما ان جميع الايات التي تتضمن النقمة هي جلال الجمال، ويرى ابن عربي:مامن اية تتضمن الرحمة الا ولها اخت تتضمن النقمة،كقوله تعالىغافر الذنب قابل التوب(غافر:3)يقابله شديد العقاب (غافر:3) وقوله تعالى نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (الحجر:49) يقابلهوَ أَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمَ (الحجر:50) وهكذا جميع الايات التي وردت على هذا النحو .(ابن عربي,محي الدين:المصدر السابق،1999 ج1 ص73,36) .من خلال هذا الراي يتضح ان خطاب الحق تعالى ينطوي على ثنائية الجمال وجلال الجمال ,وان جميع مظاهر الرحمة واللطف والمكاشفات والمعارف تمثل كفة الجمال في حين يقف الجمال الالهي الذي يتضمن النقمة والوعيد وماشابه ذلك بالضد من الجمال.
والزخرفة الاسلامية حين تبنت المرجعية القرانية والخطاب الديني الصوفي لم تناى عن هذه الثنائية يتضح ذلك من خلال رموزها واشاراتها فمنها مايحيل الى مضمون واضح ومنها مايحيل او يشير الى معاني فيها شيء من الغموض والتعقيد.غير ان احالتها كثيرا ماتشير الى الجمال.
في هذا الفصل يود الباحث ان يشير الى خمسة اسس زخرفية من بين اسس كثيرةاشار اليها الخطاب الالهي فكانت اشبه ماتكون من قاعدة انطلاق لمشاريع زخرفية عملية، كما ان هذه الاسس تمثل من جانب اخر خلاصة الجمال في القران الكريم تناولها الصوفية بالتاويل مستخرجين كنزيتها وعلى النحو التالي:

1- الجمال في التكرار
  يقول تعالى:
• يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً(الاحزاب:41)
• فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ(البقرة:152)
وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (الجمعة:10)
لقد جائت تاكيدات الحق تعالى وتكراراته في اوامره بضرورة تكرار الذكر والاكثار منه لما في ذلك من الفلاح في عاقبة الامور فالذكر المستمر هو تكرار الاسم المذكور ، فان العبد لايزال يذكر حتى يصل به الامر القيام بالمذكور والفناء والتماهي فيه.
يرى السلمي:ان الله سبحانه وتعالى خص بعض العبادت باوقات محددة في حين لم يحدد الذكر بوقت مخصوص , وكانا اراد له كل وقت وامر ان يكون كثيرا ولم كان ذكر اللسان تكرار اللفظ باعداد، فان ذكر القلب يقتضي حضورا مع الحق ولايفتر عن المشاهدة ولايغفل عن الحضرة بحال الا تراه تعالى لما رجع الى المعلوم(الشريعة) كالصلاة المفروضة،وقت أي جعل لها وقت.(السلمي:2001,ص148).
ان الغاية من الذكر بلوغ مرتبة التخلق بالحق، أي مايعبر عنه القيام بالمذكور يعني تحقق الذاكر بالمذكور(الفناء فيه) ان هذا التحقق من شانه يجعل الذاكر مستغرقا في المذكور بحيث تنتهي معه اية اثار للذاكر فيكون عندها لاوجود للذاكر والذكر وانما الوجود للمذكور فقط، وقيل الذكر عقوبة لانه عبارة عن طرد الغفلة،فوجد الذكر لوجود الغفلة كما ان الذكر الدائم يطمئن القلوب (الا بذكر الله تطمئن القلوب)(الرعد:28)(السلمي:المصدر السابق ،ص 69،68).
من هنا يتضح ان من جمالية تكرار الذكر هي الوصول الى التماهي بالجمال المطلق(الله) أي الوصول الى الحقيقة. فالفنان المزخرف حين استعار لاعماله الفنية اسلوب التكرار فان هذا الاسلوب يحيلنا بشكل او باخر الى المرجع القراني والخطاب الصوفي ذلك لان منهج التصوف قائم على الذكر وماينبجس عنه من معارف لدنية تؤدي بهم الى معرفة الحق تعالى.
ومامن شك بان التكرار الزخرفي هو واحد من الاسس الكفيلة باظهار جمالية النص الزخرفي مثلما يظهر الذكر جماليات المعارف التي تصل بالمريد الى التماهي بالجمال المطلق.
فالفنان المزخرف يضع امامنا نص زخرفي جميل يطلب منا تاويله بشكل مباشر او يحيلنا من خلاله الى النص القراني والخطاب الصوفي فنجد فيها التاويل.

2-الجمال في التقييد والإطلاق
يقول تعالى:
تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (البقرة:187)
• وَمَن يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ(النساء:14).
• جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَآؤُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللّهُ الْمُتَّقِينَ (النحل:31)
نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ(فصلت:31)
في هذه الايات والايات الكثيرة في القران الكريم التي تجري على نسقها يمكن لنا تقسميها على ثلاثة محاور:-
 المحور الأول:يتضح فيه التقييد او حدود الشرع ،والتقييد لم يكن من اجل التقييد بل من اجل الاطلاق ذلك لان الخلود  في الجنة والنعيم الدائم للابد ان يسبقه عمل ملتزم ضمن حدود وضعها الحق تعالى كالصوم والصلاة والحج والزكاة والعمل الحسن.
المحور الثاني: يتضح فيه الإطلاق ومظاهرومظاهر الجمال المؤجلة في الاخرةجنـات عـدن يدخلونهـاولهم فيها مايشاؤون.
المحور الثالث: يتضح فيه الاطلاق باتجاهين الدنيا والاخرة وان مظاهرالجمال في هذا المحور تبدو لنا من خلال قوله تعالى(نحن اوليائكم في الحياة الدنيا.وفي الاخرةاو لكم فيها ماتشتهي انفسكم ولكم فيها ماتدعون.
وترى الصوفية ان التقييد يتجلى بشكل واضح في جملة النواهي التي امر الله بها وهي الحدود الفاصلة مابين الطريق الذي يؤدي الى مرضاة الحق تعالى ونقيضه.
وترى الصوفية ان من لزم حده ولم يتعد طوره فقد سلم من العذاب والحجاب .(السلمي:المصدر السابق،ج1ص142)
وفي مجال طلب الاطلاق فان المتصوفة يجدون في التنافس مشروعية وبالاخص(التقرب من الله تعالى.وقد وصل الحد ببعضهم الى عدم الرضا بتولي الملائكة لهم لان طموحهم ابعد من ذلك فهم يريدون ولاية الحق تعالى لهم ،كما جاء في الاية الكريمةاللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ(البقرة:257)(المصدر السابق ج2 ص 218).
ويرى ابن عربي في قوله تعالى نحن اوليائكم في الحياة الدنيا والاخرة أي ان هناك مناسبة وصفية وجنسية اصلية بين المؤمنين والملائكة النورانية داخلهم ومقابل هذا تقع ايضا مناسبة بين المحجوبين من الناس والشياطين لما بينهم من الجنسية والمشاركة في ظلمة نفوسهم ،ويرى ان نفس الولي تتسامى عن المطالب المادية فلا تطلب غير المشاهدات والتجليات لان مقتضى الاستعداد له شوق ومطلب لمعرفة ماغاب عنه ومافات من المعارف وماهو ات.(ابن عربي:2001ج2 ص223).
ويعرض لنا ابن سبعين الفرق بين ماهو مقيد،فيرى في الوجود المطلق اذا ذكر نفسه ذكر كل شيء والمقيد اذا ذكر نفسه ذكر لاشيء وعاد لاذاكرا ولا مذكورا.(التفتازاني:1973 ص 211،212).
هنا يحاول ابن سبعين ان يحيلنا الى ضرورة  الفناء في الحق والتماهي فيه لنكون به ومن خلاله شيء فيكون ذكرنا له هو عين ذكره لنا ولمطلق الوجود ونكون بذلك قد خرجنا من التقييد ودخلنا في الاطلاق بمحو الاثنينية وبقاء الحق الواحد الاحد.
ان الانسان اذا مانظر الى حقيقته الوجودية يجد انه قد وقع في دائرة التقييد والاطلاق،فالنفخة الالهية المودعة فيه هي من روح الله وهي مطلقة وتطلب الاطلاق لانه عالمها .والجسد هو القيد الذي يكبل الروح ويمنعها من الانعتاق ومباشرة عالمها ، فهو(الجسد)من خلال هذا الاعتبار تقييد للروح ،والروح في هذا المعترك لن تظفر بالاطلاق مالم تلجأ الى وسيلة تقهر بها ارادة التقييد،ومامن وسيلة الا اللجوء الى المجاهدات ومخالفة اهواء النفس،للوصول الى جمال الاطلاق .
والفنان المزخرف لم تنأى عنه هذه الجدلية القائمة في كل نفس فضلا عن التصريح الواضح لخطاب الحق ومعطيات التاويل في الكشف الصوفي الذي تناول هذه الحقيقة بشكل واسع.
فالزخرفة الاسلامية قد استوعبت هذه الفكرة وجعلتها من الاسس المهمة في نصها التشكيلي،ذلك لان المفردة التي يكررها الفنان المزخرف هي نص مقيد بحدود وشكل معين نباتي كان او هندسي او جامع لهما وان تقابل المفردة وتكرارها وتناظرها هو شكل يوحي بالاطلاق.
حاول الفنان المزخرف من خلال جدلية النص الزخرفي في الظاهر للمتذوق ان يحيل الذائقة الى هذه الثنائية ويترك له الخيار فيما يختار اما التقييد او الاطلاق ،فالنص الزخرفي هنا وقف موقف الداعية الذي يحيل المتلقي الى الخطابين الالهي والصوفي.

3-جمالية الوحدة في الكثرة والكثرة في الوحدة
يقول تعالى:
وَهُوَ الَّذِيَ أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ )(الانعام:98)
• هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا(الاعراف: 198)
• مَّا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ(لقمان: 28)
• إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً وَعْدَ اللّهِ حَقّاً إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ(يونس:4)
• وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (ال عمران:83)
يرى ابن عربي: ان حقيقة الوجود واحدة من حيث البجوهر والذات غير انها متكثرة ومتنوعة بصفاتها واسمائها اما التعدد الذي يتبدى لنا فهو للاعتبار والنسب والاضافات،هي قديمة ازلية ابدية لاتتغير وان تغيرت الصور الوجودية التي تظهر فيها .فاذا مانظرت اليها من حيث الذات كانت هي حق واذا مانظرت اليها من حيث صفاتها واسمائها أي من حيث ظهورها في اعيان الممكنات قلت هي خلق.(ابن عربي:محي الدين:ص25،24).
اما الجيلي فيرى: ان الله تعالى هو المتجلي في سائر مراتب الوجود بما مستحق له من التفاوت في المناصب على ماهو عليه من العلو والنقص والكمال والامر الملائم والمنافر والمضاد والمناسب كل ذلك بغير حلول فيها او مزج لها او اتحاد بها او انفصال عنها او اتصال معها في التباعد والتقارب بل كل مايستحقه عزوجل في كماله من المكانة بالذات.فهو الواحد المتعين بحقائق الكثرة المنزه عن المكان المخصوص في تجليه.(الجيلي،عبد الكريم:ب.ت،ص،32،31).
في حين يرى التلمساني : ان الوجود واحد وهو وجود الله فقط اما الموجودات الاخرى فهي عين الوجود الواحد،وهي غير زائدة عليه بوجه من الوجوه، والوجود كما يراه التلمساني هو لقضية واحدة ثابتة .... فوجود الله المطلق هو اصل مايكون وماكان وماهو كائن او سيكون، اما الوجود المادي المشهود فهو يرد الى ذلك الوجود المطلق الروحي.(التلمساني،عفيف الدين:2000،ص 25،24) .
ويؤكد الجنيد البغدادي رجوع الكثرة الى الوحدة من خلال رجوع الارواح الى بارئها كما جاء في قوله تعالى(كل إلينا راجعون) (الانبياء:93).
ويتم ذلك عن طريقين الطوعي، فالطوعي متمثلا بالسلوك الصوفي اما الجبري فيكون بالموت وهو يشمل كل كائن حي،ويرى الجنيد ان الطوعي هو فناء عن كل ماسوى الله تعالى وحتى عن نفسه،وبقائه بوجود الله له.(الحكيم،سعاد:2004:ص34).
مامن شك ان هذه الحقيقة القرانية _ الصوفية لابد انها القت بظلالها على الفنان المزخرف فصاغ نسيجه الزخرفي من وحي هذه الفكرة فالنص الزخرفي اذا مانظرنا اليه من حيث الشكل فانه ينطوي على وحدة في كثرة وكثرة في وحدة ذلك لان النص الزخرفي بوحدته يتضمن كثرة مفردات متكررة ومتناظرة ومتقابلة ،كما ان الكثرة جميعها ترجع الى حقيقة الوحدة لان الاساس في كثرتها الوحدة الزخرفية.

4-الجمال في التقابل
 يقول تعالى:
•  وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىفَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى(النازعات:41،40)
•  فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى(الليل:7،6،5)
َأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى(الليل:10،9،8)
فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ(الزلزلة:8،7)  يتضح في هذه الايات والايات القرانية الاخرى التي تجري على غرارها ان هناك نوعين من التقابل،الاول ايجابي وهو مايقابل به العبد المؤمن من ثواب الاخرة اذا مااتقى واعطى وصدق بالحسنى،اما الثاني:فهو التقابل السلبي الذي يقابل به المرء الجاحد المنكر للاخرة ونعيمها فانهمك في اللذات غير المشروعة واحتجب فيها وبجهة الطبع حتى وافاه الاجل. فيلقيه الحق تعالى او يقابله بعذاب الحريق.
يرى القشيري في تاويله للاية الكريمة من خاف مقام ربه أي :وقوفه غدا في مجلس الحساب.ويقال:(اقبال الله عليه وانه راء له، وهذا عين المراقبة واخر محل المحاسبة(ونهى النفس عن الهوى) أي:لم يتبع هواه.(القشيري:1981:ج2 ص 685،686).
فالتقابل هنا كمفهوم هو مايقابل به الحق عبده نتيجة عمله، ان كان خير فخير وان كان غير ذلك فيقابله بمثله .
والفنان المزخرف قد اسند اشكال زخرفته الى هذا الاساس فقابل المفردة الزخرفية بمفردة تماثلها او تقابلها،وكانما اراد الفنان بذلك ان يحيلنا الى هذه الحقيقة الالهية ويريد منا ان نضع ذلك نصب اعيننا.

5-الجمال في اللون
 لقد اتاحت معطيات الكشف لدى الصوفية معرفة يقينية لمدلولات اللون جاءت جميعها متطابقة لخطاب الحق (القران الكريم )ويرى المتصوفة ان مدلولات اللون لها صلة كبيرة بالنفس الانسانية ومراتبها ،فهي لغة، روحية اولا واخيرا ،وقسم الصوفية مراتب النفس الى سبعة مراتب بناءا على المعطيات القرانية والمكاشفات التي حصلت لكبار مشايخهم وعلى النحو التالي:
1-النفس الامارة بالسوء:كما ورد في الذكر الحكيم وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ(يوسف:53).لون نورها ازرق ،اما مدلولات هذا اللون هي :الجهل،والبخل ،الحرص،والكبروالغضب والشره والشهوة والحسد وسوء الخلق والخوض فيمالايعنيه من الكلام وغيره والاستهزاء،والبغض،وهي النفس ذات الحجب الظلمانية التي تامر بالسوء ويبدو ان هذه او بعضا منها اذا اجتمعت بشخص ما اصبح ذو طبيعة عدوانية- اجرامية كما نصت عليه الايه الكريمة يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقاً.(طه:102)(الحسيني :محمد عبد الكريم،ب.ت،ص109).
2- النفس اللوامة:يقول تعالى وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ(القيامة:2)لونها اصفر،اما صفات هذه المرتبة او النفس،اللوم،والفكر،والعجب،،والاعتراض على الخلق والرياء الخفي ،وحب الشهوة والرياسة،وسميت بهذا الاسم لانها تقلب صاحبها في اكثر احوالها ،وتفعل مايخالف امر الله ثم تتراجع باللوم على ماوقع،لها ميل من جانب الى المجاهدة ،أي:الاصرار على التخلي عم بعض المتعلقات الدنيوية،كما انها من جانب تميل الى موافقة الشريعة،كالصوم والصلاة وغيرها،ولها اعمال صالحة:الصدقة والزكاة.(الحسيني:محمد عبد الكريم المصدر السابق ص 109).
3- النفس الملهمة:يقول تعالى وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا7 فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا(الشمس8،7) وهي النفس التي جاهدت حتى مالت الى عالم(القدس فتنورت به فالهمها الله تعالى،لون نورها احمر،وتتصف هذه المرتبة،بالسخاوة والقناعة والعلم والتواضع والصبر والحلم،وتتحمل الاذى والعفو عن الناس وحملهم على الصلاح وقبول عذرهم ومن صفاتها الشوق والهيمان والبكاء والقلق والاعراض عن الخلق والاشتغال بالحق،وحب الذكر،وبشاشة الوجه والفرح بالله.(الحسيني المصدر السابق ص 110).
4- النفس المطمئنة:يقول تعالى يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ(الفجر:27)لون نورها ابيض،صفات هذه النفس،الجود،والتوكل،،والحلم،والعبادة،والشكر،والرضابالقضاء،والصبر على البلاء،وفي هذا المقام تعرض للسالك نفسه حب الرياسة والشهرة،وتقلد امور المشيخة والارشاد.(المصدر السابق ص110).
5- النفس الراضية: يقول تعالىارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً(الفجر:28) لون نورها اخضر.وهي النفس التي ترضى بكل مايقع في الكون،راضية بقضاء الله تعالى وتتصف بالزهد فيما سوى الله تعالى،والاخلاص،والورع،والنسيان،والرضا بكل مايقع  في الوجود من غير اعتراض لانه مستغرق في شهود الحق المطلق.(المصدر السابق ص 112).
6- النفس المرضية:يقول تعالى:ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً(الفجر:28) لون نورها اسود ،اسود سميت مرضية لان الحق قد رضي عنها،فاخذت ماتحتاج اليه من العلوم من حضرة الحي القيوم  ورجعت من عالم الغيب الى الشهادة لتفيد الخلق مما انعم به عليها.(المصدر السابق ص113).
7- النفس الكاملة:يقول تعالىوَادْخُلِي جَنَّتِي (الفجر:30)نورها ليس له لون ،لاترضى الوقوف عند مقام من المقامات السابقة،وانما هدفها الله تعالىوَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنتَهَى(النجم:42) عالمها كثرة في وحدة ووحدة في كثرة،حالها البقاء ،صفتها جميع الصفات الحسنة التي ذكرت وتتصف بكثرة الذكر والاستغفار،كثيرة التواضع،محبة للحق،كثيرة الاوجاع قليلة الحركة ليس لها كراهية لمخلوق،لاتاخذها في الله لومة لائم ،تضع الامور في نصابها الصحيح .(الكيلاني،عبد القادر:1988 ص38،37) في المجال الزخرفي شكلت الالوان ذات الدلالة القرانية والصوفية مرجعا مهما ومصدرا من اهم مصادر الفنان المزخرف جاعلا تلك الدلالات هو الموضوع الذي تحيل اليه زخرفته،فمن اراد فك رموز ودلالات الالوان فليذهب الى المرجعين القراني والصوفي ليكشف عن سر تلك الالوان المستخدمة بشكل واسع في الزخرفة الاسلامية.

 الفصل الثالث

النتائج والاستنتاجات
1- الكلمة القرانية يراد لها ان تلبي الحاجات الفكرية والعقائدية والروحية للمجتمعات الانسانية في كل زمان ومكان ذلك من كونها قابلة لتاويلات عديدة وهذه سمة عديدة وهذه سمة جمالية.
2- ان عملية تاويل الخطاب الالهي بما يناسب الزمان والمكان ليس اليه سبيل الا عن طريق اهل الله وخاصته من المتقين من الاولياء والصالحين وكبار الصوفية.
3- شكل الخطاب القراني والتاويلات الصوفية ارثا وخزينا معرفيا قد افاد الباحثين والعاملين في حقل الاداب والدراسات الفنية وفي مجالات الفنون والزخارف الاسلامية.
4- التكرار والتقابل والوحدة في الكثرة والكثرة في الوحدة ومدلولات الالوان والتقييد والاطلاق ،هي من المفاهيم التي خلفها الخطابين الالهي والصوفي وقد افاد الفنان المزخرف منها جاعلا اياها المضمون  الفكري لزخرفته او نستطيع القول ان الزخرفة تحيل اليها.
من كل ماتقدم نستطيع القول:
ان من جماليات القران الكريم والفكر الصوفي الذي اعتمد على تاويل الخطاب الالهي قد القيا بظلالهما على الفنان المزخرف فانتج هذا اللون من الفنون بحيث اصبحت هويته انتسابه للاسلام.


المصدر :- مشاركة من الكاتب
الرجوع الى بداية الصفحة     نسخة للطباعة

أضف تعليقا
الاسم
البلد
البريد الالكتروني
التعليق
اكتب الارقام الظاهرة في الصورة