الرئيسية     نداء الى العالم     مختارات مترجمة    الارشيف     اتصل بنا
ذاكرة بغداد .. معروف الكرخي

في الجانب الغربي من بغداد يشخص معلم مهم من آثار المدينة القديمة انه مرقد الشيخ معروف الكرخي قدس الله سره ، احد المشايخ الكبار الذين اسسوا التصوف في فجر بغداد، يقع مرقده وسط مقبرة عرفت باسمه، كان ابو محفوظ معروف بن فيروز الكرخي نصرانياً، اسلم على يد الامام علي بن موسى عليه السلام وعاصر الخليفة هارون الرشيد، توفي سنة 200 هـ، وكان بناء المرقد الاول قد تم سنة 612هـ من قبل الخليفة (الناصر لدين الله)، الباحث التراثي الدكتور صالح مهدي الهاشم يحدثنا عن الكرخي والتصوف في منهجه، واهم ما طرح في مدرسة بغداد الفلسفية:
-استحق الكرخي المرجعية واسم الصوفية بمعناه الشامل الكامل لا عن لقب ونسب وانما عن فكر ومنهج ورأي وسبب، التصوف في منهج الشيخ معروف الكرخي لم يأت كردة فعل للمدارس الفكرية المختلفة بل هو ردة فعل لبعض الافكار التي كان نظامها جاد التفكير ضعيف الروح والتي غالت في تقدير العقل وقصرت في قيمة العاطفة.كان التصوف في زمن الشيخ معروف الكرخي نقياً طرياً لم تمسه الافكار الوافرة بسوء ولم يعتمد الاغريق منهجاً ولا الهنود ملجأ، ولد من رحم علم الكلام، طريقه الوحي ومسلكه زهد العباد، فلم يتأثر برهبانية النصارى او فلسفة الاغريق او منهج البوذية، ومع هذا فقد تحاور مع الحضارات ولم يكن عالة عليها. هو لم يعتبر بالمسابح الطويلة ولم يقر شطح السفهاء او غناء الشحاذين وبؤس الدراويش لأنهم ليسوا منه.مما يدفعنا إلى القول ان التصوف الاسلامي علم وذوق، فهو لا يناقض العقل لأن وراء العقل طوراً يكمله ولا يناقضه، وهو ممارسة عملية ترتكز على ممارسات وافعال لا يكون التصوف الا بها، ممارسة هي رياضة النفس ومجاهدتها وهو ايضاً الذوق والوجد وانكشاف الحقائق وانحسار الحجب، انهم (الصوفية) ارباب احوال لا اصحاب اقوال، والتصوف ايضاً توأم علم اصول الفقه بعد ان ولد من رحم واحد هو رحم علم الكلام وعلاقة التصوف بالفقه علاقة تلازم وحوار وافكار لا صراع همجي، بل انهم يقولون للتصوف علم الحقيقة وعلم الشريعة.
من الجدير ذكره ان الفقهاء في التصوف اختلفوا خلافاً عظيماً وافترقوا فيه، فمنهم من افرط في مدحه ومنهم من افرط في ذمه وافتى بكفره ومنهم من كف عنه وسكت، وكان هذا الفريق الساكت هو الفريق الاكثر عدداً والأعم الاغلب من الفقهاء، ومن المناسب ان نذكر هنا ان هذا الجدل والحوار في الافكار وهذا التعارض بين المتصوفة والمعتزلة على الخصوص ما كان مقصوراً عليهما، بل عم فرقاً اخرى بين اهل العاطفة والوجد والحدس وبين اهل العقل والبرهان والتجارب وتعدى ذلك إلى اصحاب الفن والادب واللغة بل وعامة الناس في حياتهم اليومية ومفرداتهم الذاتية، وظهر كذلك على مستوى الفكر بكل اختصاصاته الفلسفية والكلامية والاصولية وما شابه ذلك، فقد يوغل الناس ذات عصر في تحكيم العقل حتى يذهبوا إلى حد عبادته وانكار ما عداه، عندئذ يظهر من يريد تحجيم هذا الايغال ويدعو إلى اولوية العاطفة كردة فعل.
وبعد هذه النبذة الموجزة عن التصوف في منهج الشيخ معروف الكرخي لا نغالي ان قلنا ان التصوف بصيغته المنظمة بشقيه التدريب العملي والتنظير الفكري كان قد بزغ في فجر مدرسة بغداد الفلسفية.

المصدر : موقع جريدة المدى .
http://www.almadapaper.com/sub/10-519/p11.htm
الرجوع الى بداية الصفحة     نسخة للطباعة

أضف تعليقا
الاسم
البلد
البريد الالكتروني
التعليق
اكتب الارقام الظاهرة في الصورة