الرئيسية     نداء الى العالم     مختارات مترجمة    الارشيف     اتصل بنا
منافع الحج الثقافية: من خلال دلالة العودة إلى ابراهيمعليه السلام

البروفيسور أبو يعرب المرزوقي
الجامعة العالمية الإسلامية بماليزيا

تمهيد
يفترض تحليل الموضوع الذي تفضلت وزارة الحج فشرفتني بالدعوة إلى الكتابه فيه "منافع الحج الثقافية ودلالة العودة إلى ابراهيم عليه السلام " تأسيس العلاقة بين عنصريه تأسيسا يتطابق فيه النقل والعقل وتحديد المنهج المناسب لهدف الدارسة. فالسؤال عن منافع الحج الثقافية في صلتها بالعودة إلى ابراهيم عليه السلام مرتهنا بمناسبة اعتبار مكة عاصمة العالم الاسلامي عاصمته[1] الثقافية[2] بل هو جوهر السؤال عن علاقة ختم الرسالات ختما يلغي الفصل الاسلامي بين الدنيوي والاخروي من حيث نظرية الوجود والفصل بين المعرفة العقلية والمعرفة النقلية من حيث نظرية المعرفة. ولا يمكن ألا يكون أسمى رموز هذه العلاقة مؤلفا من مقوماتها. فلا يمكن أن يبقى مركز الرسالة الاسلامية المكاني والزماني منبع الحياة التاريخية وما بعد التاريخية للمسلمين من حيث هم شهود على العالمين إذا اقتصر دوره على موسم الحج أو ارتبط بشعار ظرفي أو حصر في المعنى الضيق للشعائر. وإنما يكون ذلك كذلك إذا تحول الرمز إلى المتلقى الدائم للسعاة من أجل استقصاء مدلول الختم لتحديد شروط تحقيقه تحقيقا فعليا. وعلامة ذلك علامته التي لا تحتاج إلى تأويل هي مضمون الاستخلاف في دلالته القرآنية: سعي الانسان إلى تحقيق كل أصناف القيم في التاريخ الفعلي بفضل أدوات الفعل التاريخي التي حددها القرآن الكريم.
لذلك فعلاج الموضوع المقترح يقتضي أن نفصل في مسألتي التأصيل والمنهج من منطلق مضمون الاستخلاف وشروطه كما يمكن استنباطهما من القرآن الكريم ومن فينويمنولوجيا ادراك المسلمين لدلالة الحج ومركزية العودة إلى ابراهيم عليه السلام بحدي الوعي العادي والعلمي لنربط ذلك بالمنافع الثقافية التي يقتضيها العمران البشري من المنظور الاسلامي.

1- المسألة التأصيلية
ولها بعدان ينتجان عن النظر إلى المسألة من منطلق مدلول المنفعة الثقافية في الحج وبعدان ينتجان عن النظر إليها من منطلق مدلول العودة الاسلام إلى ابراهيم عليه السلام في الثقافة .
البعد الأول وله وجهان: فكيف يمكن أن نفهم مفهوم المنافع المصاحبة لشعيرة الحج بصورة نؤسس لمدلولها الثقافي بعد أن كاد ينحصر مدلولها في المنافع الاقتصادية المباشرة التي يعد تسوق الحجاج أبرزها ؟ وهل يتضمن مفهوم الثقافة أساسا للجمع بين المنافع الدنيوية والمنافع الاخروية تأسيسا على جمع الدين الاسلامي بينهما بمعنيين: بمعنى علاقة الأداة بالغاية[3] وبمعنى علاقة المدلول بالدال[4]. فالدنيوي بكل أبعاده أداة للاخروي. والدنيوي بكل تعيناته دال للأخروي. ومن ثم فالدنوي أداة ودال والاخروي غاية ومدلول. فتكون طبيعة الترابط بين الوجهين أساس العلم بالعلاقة الأولى وأساس النظر بالعلاقة الثانية.
البعد الثاني وله وجهان كذلك: فكيف يمكن أن نعرف الحج تعريفا يربط بين المدلول الثقافي للمنافع المصاحبة له وبين محورية ابراهيم عليه السلام فيه وفي الاسلام الذي يمكن أن يعد حنيفية محدثة بالقياس إلى الحنيفية الابراهيمية ؟ وكيف يمكن أن نعرف العلاقة بين شعائر الحج الاسلامية والسنن الابراهيمية ودورها في فلسفة الاسلام العميقة من حيث هي طلب لعلم الحقيقة بطريقة التواصي بالحق وطلب للعمل بها بطريقة التواصي بالصبر. 

2- المسألة المنهجية
ولها كذلك بعدان كلاهما مضاعف: البعد المنطقي والبعد المعرفي؛ فمن حيث البعد المنطقي جرت العادة بالمقابلة بين التحديد الوضعي للظاهرات الفرضية والتحديد الاستقرائي للظاهرات الفعلية. ومن حيث البعد المعرفي جرت العادة بالمقابلة بين الظاهرات الطبيعية والظاهرات ذات الحصول التاريخي والمنبع ما بعد التاريخي ومن ثم بين المنهج العقلي التحليلي في علوم الظاهرات الطبيعية والمنهج النقلي التأويلي في علوم الظاهرات التاريخية.
البعد المنطقي الأول: يتعلق بمسألة منطقية كفرها شكل زائف منها هو المقابلة التقليدية بين الحد الحقيقي والحد الاسمي. وهذه المقابلة زائفة لانها مبنية على الميتافزيقا الأرسطية التي تقابل بين المقوم وغير المقوم من الصفات مقابلة تفقد معناها بمجرد التخلص من وهم الادراك المحيط الذي يحصر الموجود في المعلوم. فمن المعلوم أن الفلاسفة درجوا على التمييز بين الظاهرات ذات الوجود الفرضي التي يعتبرونها تحدد بالوضع التصوري والظاهرات ذات الوجود الفعلي التي يعتبرونها بالمقابل مع ذلك تحدد بالاستقراء. لكن التخلص من وهم حصر الموجود في المعلوم يجعل كل الحدود اسمية وكل علوم الموجود استقرائية حتى عندما تكون فرضية استنتاجية. ولا يكون الحد الاستقرائي الذي هو السبيل الوحيدة لبداية العلم الإنساني بالموجود- لا يكون سليما عندئذ إلا إذا انتظم بحسب التكامل بين طريقتين متقابلتين أولاهما تثبت المقومات بملاحظة الموجود والثانية تمتحنها بالنقد الذي يلاحظ المفقود للتبكيت التثبتي. لذلك فمجال الاستقراء يكون ذاتيا وإضافيا. فالذاتي منه هدفه حصر المقومات التي يتقوم بها جوهر الظاهرة والاضافي هدفه حصر العلاقات بين الظاهرة وكل ما يتصل بها فعلا وانفعالا.
1- استقراء تحديدي لمقومات الظاهرة بفعل تأليف يكون هوية الظاهرة: مقومات منافع الحج الثقافية وعلاقتها باجناس القيم الخمسة: قيم الذوق ( الحياة أو النفس ) وقيم الرزق ( المال) وقيم النظر ( العقل ) وقيم العمل ( العرض) وقيم الوجود ( الدين ). وكل هذه القيم مستمدة من سورة يوسف عليه السلاموعلاقتها بمقاصد الشريعة .
2- استقراء تحديدي لأفعال الظاهرة وانفعالاتها أو لعلاقاتها بغيرها من الظاهرات فعلا وانفعالا: ما دور الحج في حياة المسلمين الذوقية وفي حياتهم الرزقية وفي حياتهم النظرية وفي حياتهم العلمية وفي حياتهم الوجودية ثم ما دور حياتهم الذوقية والرزقية والنظرية والعملية والوجودية في الحج؟ الجواب هو المطلوب في هذه المحاولة.
البعد المعرفي المضاعف: يتعلق بمسألة ابستمولوجية كفرت تحتب شكل زائف منها هو المقابلة التقليدية بين العقلي والنقلي. وقد طرحت هذه المسألة خلال تاريخها بأشكال مختلفة. فمن المقابلة بين العلم العقلي والحماس اللاعقلي (عند أفلاطون وأرسطو) بداية إلى المقابلة بين المعرفة العقلية والذوق الحدسي أو الصوفي مرورا بالفهم الخاطئ للوحي برده سلبا إلى الحماس اللاعقلي أو إيجابا إلى الذوق الصوفي. لكنه لا هذا ولاذاك على الأقل في الرسالة الخاتمة. لذلك فإن هذا البعد المضاعف الثاني يقتضي تجاوز المقابلة الزائفة بين مبدأ المعرفة النقلية ومبدأ المعرفة العقلية عملا الحل الجذري الذي توصل إليه شيخ الاسلام ابن تيمية بعد تجاوز الميتافزيقا الأرسطة[5]. لكن هذا الحل وقع تغييبه بسبب التقليد الذي لا يميز بين حال معينة لعلاج المعطى النقلي ( بعض علماء لا يميزون بين علمهم وحقيقة الدين= فيطابقون بين التاريخ وما فوق التاريخ ) وحقيقة المعطى النقلي التي يبحث عنها العلم الديني. وهذا التغييب لا يختلف عن عدم التمييز بين حال معينة لعلاج المعطى الطبيعي ( بعض علماء الطبيعة لا يميزون بين علمهم وحقيقة الطبيعة = فيطابقون بين الطبيعة ومافوق الطبيعة ) وحقيقة المعطى الطبيعي[6].
وهدف علاج المسألتين التأسيسية والمنهجية وصف الموجود والمنشود واثر الأول في الثاني والثاني في الأول لتعريف موضوع البحث الذي هو في حالتنا الفعل الثقافي. وهذا الفعل هو ما تحتاجه الأمة الاسلامية ليصبح وجودها سويا حقا فيتطابق واقع وجودها مع واجبه لئلا تكون دائنة بالاسلام في القول دون الفعل. ومعنى ذلك أن الاستقراء في كلا الغرضين لا يقتصر على التقرير الخبري للموجود من المقومات والعلاقات فعلا وانفعالا بل هو يضيف الوضع الانشائي ( كيف نود أن تكون الأمور ) والتقرير الشرطي ( ماذا ينبغي أن نفعل لتكون الأمور كما نود ). فيكون الخبر خبرا عن الحاصل وواجب التحصيل والطريق إلى تحصيله بحسب الحاصل ممثلا للماضي والواجب ممثلا للمستقبل. وبذلك تكون الظاهرة الانسانية بل وحتى الطبيعية مؤلفة من خمسة مستويات مقومة:
1- مستوى الخبر عن الموجود من منافع الحج التي يمكن أن تكون فوائد ثقافية بأوسع معاني الثقافة التي يعد الوجه الروحي والديني أهمها.
2- ومستوى الخبر عن المنشود منها بنفس المعنى حتى يتسع مفهوم المنافع الثقافية فلا يبقى مقصورا على الشعائر الدينية وحدها.
3- ومستوى الخبر عن أثر الموجود في المنشود أعني شروط تحقيق المنشود بحسب امكانات الموجود في ضوء الصحوة الاسلامية والدور الرائد الذي تقوم به السعودية في احياء الرابطة الاسلامية.
4- ومستوى الخبر عن أثر المنشود في الموجود أعني شروط تحقيقه بحسب مجاهدات المنشود لئلا يكون الكلام عن الآمال مجرد كلام بل كلام مصحوب بالافعال.
5- وبذلك يكون الفعل الثقافي عملا يحقق التواصل ببين ابعاد الزمان التاريخي فيكون احياء لمعاني أحداث الماضي وتحقيقا لأحداث معاني المستقبل فتستأنف الامة دورها التاريخي الكوني.
والمعلوم أن هذا التواصل لا يتحقق إلا في حاضر يتطابق فيه الحدث والمعنى تطابقا حيا ليحرر الامة من الفصام بين المثال والواقع لكي يعود للماضي الجدل الحي بين أحداثه التي تواصل الحياة بتأويلات معانيه ويتأسس للمستقبل الجدل الحي بين معانيه التي تشرع في الوجود بتحقيقات أحداثه. وبذلك تتم وظيفة الحج من حيث هو احياء دائم للحظة التاريخية التي أسست الاسلام بمعنييه: فطرة متقدمة على التحريف وفطرة تالية للتحريف ومن ثم خاتمة للرسالات السماوية تكليفا للعقل برسالة قراءة الايات الكونية والتاريخية قراءة هي عين الفوائد الثفافية.
ولعله من حسن حظ المسلمين أن التاريخ الكوني كله بوجهيه الروحي والمادي قد دار دورة مصيرية أعادته إلى اللحظة التي يتحدد فيها معناه الأسمى من خلال طبيعة الدور الذي تؤديه أمة الرسالة الخاتمة في علاج الأزمة التي تمربها البشرية أزمتها التي كادت تصبح أزمة المسلمين الذاتية فكان الدليل المبين على على قلب عقيدة المسلمين أعني تحميل الله إياهم مسؤولية الشهادة على العالمين:
1- فأما عودة الوجه الروحي ليصبح رهان التاريخ الكوني في مستواه الرمزي مرة أخرى فيمثلها الآن عين صراع القيم النظرية التي ركزت عليها الرسالة الخاتمة وذلك بعودتها الفعلية إلى دورها في التدافع الاجتهادي من أجل التصدي لتحريف العقائد والحقائق في الأديان المنزلة (الصهيونية والمسيحية المتصهينة)[7] وجاهلية العقائد والحقائق في الأديان الطبيعية ( الطبعانية والعلمانية)[8].
2- وأما عودة الوجه المادي ليصبح رهان التاريخ الكوني في مستواه الفعلي مرة أخرى فيمثلها الآن عين صراع القيم العملية التي ركزت عليها الرسالة الخاتمة وذلك بعودتها إلى دروها في التدافع الجهادي من أجل التصدي لتحريف الشرائع والقيم في كلا النوعين من الأديان.
ذلك أن التطابق بين التحريفين ( اليهودية والمسيحية المتصهينتين) والجاهليتين (الطبعانية والعلمانية المتنازيتين) هو جوهر ما يسمى بالعولمة الايديولوجية ( اساس الغزو الثقافي ) والاقتصادية ( اساس الغزو العسكري) للوطن العربي الذي هو قلب دار الاسلام. فالجاهليتان والتحريفان كما نراهما الآن متعينين في وحهي الهجمة التي يقودها عبدة العولمة وعبيدها على كل البشر هجتمهم التي تكثفت فتركزت على المسلمين والإسلام يتحدان في ميلهما إلى حصر الوجود الإنساني في داروينية اجتماعية Social Darwinism فجة آلت بهم إلى تأويل التاريخ الإنساني قياسا على تأويلهم التاريخ الطبيعي: صراع قوى عمياء من أجل الانتخاب الطبيعي والبقاء لما تتصوره الأصلح.
ولما كانت الصحوة قد حاولت في مرحلة تاريخنا الحديث السلبية والدفاعية إحياء الدلالة الفاعلة لوحدة المسلمين الرمزية من أجل تحقيق وحدتهم الفعلية شرطا في استئناف دورهم التاريخي الكوني فإنها قد أصبحت المستهدف الرئيسي في هذا الصراع لئلا تنتقل من صحوة مبدأ الابداع الرمزي إلى صحوة مبدأ الابداع الفعلي. ولما كان المسجد الحرام يحقق بما يرمز إليه وحدتي الأمة الرمزية والفعلية على الأقل في أيام الحج المعدودات بات اعتباره الرمز الحي لمنبع القوة التي تمكن المسلمين من الإسهام في التدافع الكوني الذي سنه الله لتحقيق القيم في التاريخ الفعلي للبشرية أمرا قدريا لا مرد له. فهو ليس مجرد صدفة تاريخية يمكن أن تجد لها تبديلا أو تحويلا. ودور الأمة في التدافع بدلالته الإسلامية العميقة هو قدرها. لذلك بات من الواجب أن ندرس دور الحرم عامة والحج خاصة في توحيد الأمة رمزيا وماديا وذلك في التاريخين المحددين لقيام كل أمة: تاريخ مجالات القيم الخمسة التي هي القيم الذوقية (الفنون الجميلة ) والقيم الرزقية (الاقتصاديات) والقيم النظرية ( العلوم) والقيم العملية ( السياسيات) والقيم الوجودية ( معاني الوجود والحياة) في مستويي هذا التاريخ الرمزي[9] والمادي[10].
ولن يتسنى لنا ذلك إلا من خلال تحليل أزمة هذا السعي الداخلية وأزمته الخارجية لنفهم العلل التي تجعل الصحوة الإسلامية تكون بؤرة لما يشبه التدافعين الحاسمين: أولهما تدافع أهلي (في شكل تدافع بين العلمانية والأصلانية ) والثاني تجافع كوني (ي شكل تدافع بين الديموقراطية والدكتاتورية ). لذلك فلحظتنا العربية الاسلامية الحالية يمكن أن تعد محلا لتحديد أفق الإنسانية المقبلة تماما كما توقع القرآن الكريم عندما اعتبر المسلمين شاهدين على العالمين شهادة الرسول عليهم.
1- فالرسالة الإسلامية تعرف نفسها بكونها الرسالة الخاتمة والشاهد أهلها على العالمين شهادة الرسول عليهم في القيام بواجب رعاية شرع الله الهادف إلى تحقيق الوحدة بوجهيها الداخلي والخارجي: ومن ثم فحدة الأمة ليست هدفا بذاتها بل هي من أجل أن تكون مركز البشرية الشاهد فتحقق وحدة البشرية التي جعلها الله مركز الكون بمقتضى الاستخلاف.
2- لذلك فالسعي إلى وحدة الأمة يعد منصة الانطلاق من أجل التحقيق الفعلي لمركز البشرية الشاهد روحيا ( حضارة الإسلام المتعينة في المنافع الثقافية ) وماديا ( دار الإسلام المتعينة في الامكانات المادية ) من أجل تحديد أفق للإنسانية جديد يحررها من التحريفين والجاهليتين وحصيلتهما الشريرة أو الفصام الوجودي بين باطن حياة الإنسان ( الدين أوالحياة الخاصة) وظاهر حياة الإنسان (الدولة أوالحياة العامة).
فكيف يمكن لهذه المنصة التاريخية أن تسترد وحدتي الأمة الرمزية ( التي لا تقتصر على الوحدة التعبدية بل تتجاوز ذلك إلى وحدة ثقافية حية ) والفعلية ( التي لا تقتصر على الوحدة الجغرافية بل تتعداها إلى وحدة اقتصادية حية ) وحدتيها اللتين ستمكنانها من الفاعلية المحركة تحريكا إيجابيا نحو الوحدة المعبرة عن ثمرة الوحدتين بأداة الإرادة الواعية بنفسها في كيان سياسي فدرالي يكون قادرا على الاسهام في تحديد الأفق المقبل للبشرية؟ إن بداية التعبير عن وحدة الارادة الواعية برسالتها هي عينها مدلول تغيير القبلة تغييرها الذي أعاد إلى المسجد الحرام منزلته في التاريخ الكوني بعد أن سلبها منه تحريف رسالة ابراهيم الخليل. فتلك هي بداية توحيد مكان الأمة وزمانها بتحقيق وحدة تاريخها وووحدة جغرافيتها منطلقا لمخاطبة البشرية الخطاب القادر من أجل تحريرها الفوضى الروحية والقيمية بمعنييهما الملي والبشري. لا يمكن أن نجيب عن هذه الأسئلة من دون علاج قضيتين جوهريتين كلتاهما مضاعفة:
الأولى هي كيف يمكن أن نحدد المنافع الثقافية التي تجعل ما يحققه الحج مرة في السنة أمرا ملازما لحياة المسلمين المثلى التي هي في نفس الوقت أداتهم الأساسية للقيام بواجب الدعوة الاسلامية اعتمادا على وسائل التواصل التي حددها القرآن الكريم أعني التعارف معرفة ومعروفا ؟ ويفترض ذلك استنباط نظرية القيم القرآنية في مستواها الرمزي.
والثانية هي كيف نفهم من هذا المنطلق العودة إلى ابراهيم عليه السلام بحسب الدورين اللذين ينسبهما إليه الاسلام: كونه مقيم الحرم وصاحب السؤال الجوهري في العقيدة التي يعرف الاسلام نفسه بكونه صيغتها الخاتمة؟ ويقتضي ذلك أن نستنبط من القرآن الكريم المنطق الذي يخضع له تاريخ العقل البشري تصورا وتحقيقا لفهم منزلة الفكر الاسلامي ودور المسلمين فيه.
لكن نظرية القيم ونظرية التاريخ البشري المستنبطتين من القرآن تفترضان متقدما عليهما المبدأ العقدي المطابق لوجود الأمة التاريخي المبدأ الذي يربط النظريتين بمنزلة المسلمين في التاريخ الكوني منذ نزول القرآن فيضفي على حاضر هذه المنزلة[11] المعنى الذي يمكن من فهم علة كونهم اليوم بؤرة التأزم الكوني فعلا وانفعالا: فعلا من حيث كونهم عادوا ليصبحو مركز التحرر العالمي منذ قرنين كما كانوا منذ نزول القرآن الكريم الذي كانت ترجمته الأولى حركة تحرير المشرقين والمغربين من الاستعمار الرومي الروماني.
لذلك فالبحث يتألف من ثلاثة فصول يتفرع كل منها إلى مسألتين فتكون المسائل ستة بحسب الترتيب التالي:
الفصل الثاني: نخصصه لمعاني الحج ودلالة العودة إلى ابراهيم عليه السلام
3 و4- مسألتان تعرفان ابراهيم عليه السلام ودور الحرم من منظور عقلي خالص ومن منظور نقلي خالص لبيان التطابق بينهما برهانا على أن الدين الخاتم دين الفطرة التي هي تطابق النازل من الرسالات والصادق من المحاولات للوصول إلى الحق.
الفصل الثالث: نخصصه للمنافع الثقافية من حيث المستوى الرمزي للقيم:
5 و6- ومسألتان تعرفان دور نظرية القيم الوجودية والقيم الذوقية وتطبيقاتهما في القرآن الكريم بوصف ذلك هو عين المنافع الثقافية التي ينبغي أن تتكثف في الحج لتكون معالم التأثير الخالد في النفس البشرية فلا تكون الحياة الروحية مقصورة على المعيش الذي ينقضي مع انقضاء لحظات عيشه.
الفصل الأول: نخصصه لتاسيس الربط بين المنافع الثقافية والحج ومنهج البحث:
1 و2- اما المسألة الأولى والثانية فتتقدمان عليها جميعا لكونها تحدد أمرين لا بد من الانطلاق منهما في علاجنا للموضوع المعروض. فأما الأمر الأول فهو تأسيس البحث فلسفيا ونقليا. فالدراسة لا يمكن أن تكون مستندة إلى مجرد الاجتهاد العقلي ( التأسيس الفلسفي) بل لا بد من تدعيمها بالتأسيس النقلي الذي ينطلق من تحليل مجالات الدلالة لخمس مواد ثلاثة منها وردت في نص الموضوع الذي تفضلت وزارة الحج بدعوتي للكتابة فيه تحت عنوان: "منافع الحج الثقافية ودلالة العودة إلى ابراهيم عليه السلام" واثنان يقتضيهما الكلام في الاسلام من حيث هو عودة إلى الحنيفية الابراهيمية تقبل الوصف بكونها حنيفية محدثة أهم أدواتها السؤال العقلي عن الموضوع الوجودي الاسمى. وهذه المواد هي: 1- مادة "حجج" ومعها كل مشتقاتها 2- ومادة "نفع" ومعها كل مشتقاتها 3- ومادة "حدث" ومعها كل مشتقاتها 4- ومادة "حكم" ومعها كل مشتقاتها 5- ومادة "ثقف" ومعها كل مشتقاتها كما وردت في القرآن الكريم. وأما الأمر الثاني فهو تحديد طبيعة المرحلة العقلية التي تحكم تصورات جيلنا الكونية فتجعل اللحظة التاريخية على ما هي عليه بحيث لا يكون ما يحصل فيها محض صدفة بل هو أشبه بالقضاء الذي لا مرد له.
فتكون الخطة كما يلي:
الفصل الأول:
المسألة الأولى: التأسيس العقلي والنقلي للاشكالية
المسألة الثانية: المرحلة الفكرية الكونية ومنزلتنا في اللحظة التاريخية الراهنة

الفصل الثاني:
المسألة الثالثة: دلالة الاستئناف من الحل الابراهيمي ومنزلتنا في اللحظة التاريخية الراهنة.
المسألة الرابعة: التعريف العقلي والنقلي لدور الحرم المكي الشريف

الفصل الثالث:
المسألة الخامسة: نظرية القيم الذوقية ببعديها المعرفي والخلقي
المسألة الأخيرة: تعيين بعدي القيم الذوقية في القرآن الكريم.

المسألة الأولى:
التأسيس النقلي والعقلي للعلاقة بين الحج والمنافع الثقافية
يكاد البحث في مسألتنا الأولى يقتصر على بعض الملاحظات المنتسبة إلى فقه اللغة وما بين مجالات دلالة مفردات العنوان من علاقات تمكن من اكتشاف الصلات العميقة بين المنافع الثقافية والحج في دلالاتهما القرآنية من جهة وعودة الاسلام إلى الحنيفية الابراهيمية في تحديد طبيعية الرسالة عامة وفي وظائف الحج خاصة من جهة ثانية. والقصد المحدد لطبيعة هذه الملاحظات هو فهم الشروط التي يقتضيها احياء مفهوم المنافع الملازمة للحج في ضوء أمرين أساسيين:
الأول هو دلالة الحج الثابتة في حياة المسلمين وهي صنفان: دلالة الشعيرة والمنزلة الاجتماعية.
الثاني هو الدلالة الثابتة لقيام الحضارة الاسلامية في التاريخ الكوني وتأسيسه في مابعد التاريخ.
وبين أن المواد التي نحتاج إلى تحليلها هي عينها مواد العنوان الثلاثة الرئيسية مع مادتين تتعلقان بدلالة العودة إلى الابراهيمية. فمن قسم العنوان الأول نحلل مواد نفع وثقف وحجج ومن قسمه الثاني نستنبط مادة عود للتلازم بين التدبير والتذكير في كل كلام عن الرسالة الخاتمة ومادة حدث للتلازم بين مفهوم العودة ومفهوم تحديث العائد لما يعود إليه. 

1-مفهوم المنفعة :
مادة نفع ومشتقاتها كثيرة الورود في القرآن الكريم[12]. أما كلمة منافع فقد وردت في ثماني حالات. والمقابلة في حالة المصدر الجامعة لكل معاني المادة هي دائما إما مقابلة مع الضر أو مع الإثم. وفي أغلب هذه الحالات المعنى الأوضع هو معنى المنافع المادية التي تتعلق بالرزق مباشرة أو بتوسط التجارة. لكن المعنى العام من المنافع ورد مرتين في الحديث عن الخمر والميسر وعن منافع الزينة والجمال أو في الحديث عن المنافع الروحية. وتلك هي المعاني التي يمكن أن نستمد منها فكرة تضمن المنافع لأصناف القيم الخمسة إذا انطلقنا من علاقتها بمصادر المنافع مصادرها التي هي في الأغلب موضوعات الاعتبار والتدبر الذي يدعو إليه القرآن أو من دور موضوعات المنافع دورها الذي يتصل بأدوات السلطة وخاصة الملكية فيدخل نوعا القيم النظرية والعملية بتوسط الرزق مادة للتدبر المعرفي في استناد الحياة إلى الموارد الطبيعية أو التصرف العملي في الملكية[13].
لذلك فإنه يمكن أن ترد المنافع الثقافية إلى أنواع القيم الخمسة التي يتسند إليها العمران البشري بحسب طبيعة الوجود وبحسب حكم الشرع[14]: قيم الذوق (الفنون) وقيم الرزق (الاقتصاديات) وقيم النظر (العلوم) وقيم العمل (السياسيات) وقيم الوجود (معاني الوجود من المنظور النقلي والعقلي). ومن ثم في تنقسم إلى موضوع التواصي بالحق ( القيم النظرية والوجودية ) وموضوع التواصي بالصبر (القيم العملية والوجودية) وأسباب قيام الحياة ودوافعها الانطلاقية ( القيم الرزقية والذوقية ). ذلك أن التواصي بالحق والتواصي بالصبر هما الصورة المثلى من الفعلين اللذين بني عليهما الإسلام ثورته في تحقيق القيم في التاريخ بآلية التدافع والتنافس في الخيرات: فالاجتهاد التام هو عينه التواصي بالحق والجهاد التام هو عينه التواصي بالصبر.
ويتقضي ذلك أن نحلل المفهومين لنرى صلتهما باصناف القيم الخمسة حتى ندرك شروط جعلهما أداتي تحقيق هذه القيم. فكلا الفعلين ينقسم إلى خمسة معان. فبين الاجتهادين الأصغر والأكبر[15] وبين الجهادين الأصغر والأكبر[16] يوجد وسيطان هما الاجتهادان الصغير والكبير[17] والجهادان الصغير والكبير[18]. ويوحد بين الوسيطين وطرفيهما في الحالتين مفهوم هو أصل الأصناف. فأصل الاجتهادات بأصنافها الأربعة العقل الحر الذي هو شرط فهم الامور مناط التكليف النظري[19]. وأصل الجهادات بأصنافها الأربعة الارادة الحرة التي هي شرط عزم الامور أو مناط التكليف العملي[20].
وبذلك يكون مفهوم الاجتهاد مخمس الابعاد التي غايتها تحقيق شروط الاستخلاف النظري ووسيلتها التواصي بالحق: اثنان مباشران لبداية العلم بحقيقة الانسان ( الاجتهاد الاصغر ويخص الوعي بالعقل شرطا للتكليف) وغاية حقيقته (الاجتهاد الاكبر ويخص علم العقيدة غاية للتكليف ). واثنان غير مباشرين للوصل العلمي بين البداية والغاية من الأولى إلى الثانية ومن الثانية إلى البداية: فالاجتهاد الصغير وظيفته تمكين الانسان المكلف من العلم الشارط للخلافة في الطبيعة والاجتهاد الكبير وظيفته تمكين الانسان المكلف من العلم الشارط للخلافة في الشريعة أو التاريخ. أما الجامع لمعاني الاجتهاد فهو مفهوم الاستخلاف النظري أو التواصي بالحق شرطا للاستثناء من الخسر.
ومثله يكون الجهاد مخمس الابعاد مثل الاجتهاد وغاية أبعاده تحقيق شروط الاستخلاف العملي ووسيلتها التواصي بالصبر: اثنان مباشران لبداية العمل بحقيقة الانسان (الجهاد الأصغر ويخص تحقيق شروط الوعي بالعقل أو حرية الارادة شرطا للمكلفية) وغاية العمل بحقيقة الانسان (الجهاد الأكبر ويخص العمل بالعقيدة أو ردع النفس عن عبادة الهوى شرطا لعبادة الله وحده). واثنان غير مباشرين للوصل العملي بين البداية والغاية من الأولى إلى الثانية ومن الثانية إلى الأولى. فالجهاد الصغير وظيفته أن يمكن الانسان من العمل الشارط للخلافة في الطبيعة. والجهاد الكبير وظيفته تمكين الانسان المكلف من العمل الشارط للخلافة في الشريعة والتاريخ. اما الجامع للكل فهو مفهوم الاستخلاف العملي أو التواصي بالصبر شرطا لاستثناء من الخسر.
أما المفهوم الجامع الأعلى بين المفهومين الجامعين الأدنى الجامعين أعني بين الاستخلاف النظري من حيث هو عقل حر والاستخلاف العملي من حيث هو ارادة حرة فهو مفهوم الفطرة التي فطر الله الناس عليها أو مكارم الاخلاق التي بها ينتظم العمران فتكون في نفس الوقت حقوق الفرد على الجماعة وواجبات الفرد أزاء الجماعة. وتلك هي مقاصد الشريعة التي هي حقوق الانسان الطبيعية بمعنى حقوق الفطرة الدينية كما حددها الاسلام. فتكون المنافع الثقافية بذلك الشروط والأدوات التي تحقق هذه المعاني من الاجتهاد والجهاد في العمران البشري بحسب الفهم الاسلامي للعلاقة بين الدنيوي والأخروي فهمه الذي يكون بفضل هذا التتواصل الرسالة الخاتمة.
2- مادة "ثقف"[21]:
كل المعاني الست الواردة في القرآن الكريم تتعلق ب"الادراك" بمعنى "الوصول إلى" و"السيطرة " بمعنى "التمكن من" والقصد هو معنى "القدرة على" في حالة حكم الحرابة. فهي شارطة لانطباق الحكم عند الحصول قبل استسلام المحترب ولعدم انطباقه عند عدم الحصول قبل استسلامه. ومن هذا المعنى نستمد المقصود في المنافع الثقافية: فهي ما به يتحقق الادارك والسيطرة والقدرة. وسنحاول تحديد منافع الحج الثقافية من هذا المنطلق بمعنيين مضاعفين تكون أربعتها ثمرات الأصل الواحد للحياة السامية التي تسعى إليها الأمة ذات الرسالة الكونية : دين الفطرة الفاتحة لذكر الحقيقة والخاتمة لنسيانها.
1 و2- فالمنافع الثقافية يمكن أن تكون غايات: ا- غايات التواصل الروحي ( المنافع الرمزية التي يحصرها القرآن الكريم في مدلول القيم الخمسة غاية للاعتبار ) ب- وغايات التواصل المادي ( المنافع المادية التي يحصرها القرآن الكريم في دال القيم الخمسة بداية للاعتبار ): وهي نوعان: التعارف بمعنى المعرفة والتعارف بمعنى المعروف.
3و4- والمنافع الثقافية يمكن أن تكون أدوات: ا- أدوات التواصل الروحي ( ادوات تحقيق المنافع الرمزية ) ب- وادوات التواصل المادي ( أدوات تحقيق المنافع المادية ). 5- لكنها أصل المنافع الثقافية جميها هو كون الإسلام دين الفطرة فيكون كل تجل لها موضوعا لمنفعة ثقافية تسمو بالانسان إلى تذكر الفاطر. وبذلك تكون المنافع الثقافية التي تتحدد بمقتضى الفطرة جامعة بين مدلولي الصلة الدينية بين المألوه والآله أعني من حيث هي صلة نزول من الفاطر إلى المفطور (الوحي) صلة صعود من المفطور إلى الفاطر (الوعي) فيلتقي فيه مصدرا المعرفة كما رمز إلى ذلك ابن طفيل في رسالة حي ابن يقضان ؟
وكلا النوعين المضاعفين مثل أصلهما يخضع لبعدي قانون التدافع المضاعف أو قانون الهيمنة والتصديق:
1- قانون التنافس التجديدي ليس فقط مع الغير بل مع ماضي الذات وهو معنى الهيمنة. إنه قانون العلاقة النقدية بالتاريخ بحسب معايير النقد القرآني لتحقيق شروط بقاء الأمة. فالتجديد الذي يمكن من تجاوز ما لم يعد صالحا ليترك المكان لما يعوضه في حياة الأمة المتصلة. ويكون بالتعارف من حيث هو نظر ( أي العلم ) وبالمعروف من حيث هو عمل ( السياسة ).
2- وقانون التنافس التمديدي ليس فقط مع الذات بل مع الغير وهو معنى التصديق. إنه قانون العلاقة الحفظية بالتاريخ بحسبب معايير التذكر القرآني لتحقيق شرط بقاء الأمة من خلال التمديد الذي يحافظ على ما بقي صالحا ليثبت مقومات وجود الأمة. ويكون المعروف من حيث هو ذوق ( أي الفن ) ورزق ( أي الاقتصاد).
ونحن نقدم العلاقة النقدية على العلاقة الحفظية لأن الاسلام يدعونا إلى حفظ تال عن النقد[22]. فلا نحفظ إلا ما يبرز النقد جدارته بالحفظ. فيكون التذكير غير مقصور على الحدث بل هو تذكير بمعناه لكونه عملا على علم. والمعلوم أن الفوائد أمر يظهر ظهورا عفويا في الحضور الحي للظاهرات ثم يطور تطويرا قصديا في ما بعد الحضور الحي من خلال الصياغة القولية بكل أجناس القول التي حداها الابداع الادبي والابداع العلمي. فما هو الظهور العفوي وما هو التطوير القصدي للمنافع الثقافية بمناسبة الحج ؟
أولا: الظهور العفوي: ما يحصل من تواصل وما يحصل من موانع تواصل تبنه إلى ضرورة تحقيق التواصل بالوسائل المقصودة. ويغلب هنا التواصل بالرموز غير الناطقة وأهمها الشعائر والتقاليد. ومن ثم فما يغلب على الظهور العفوي هو ادراك عدم التواصل الحقيقي الذي يصطلح عليه القرآن الكريم بمفهوم التعارف أو غياب وسائل تحقيق المنافع الغائية للوعي العام: فكيف يمكن أن نقوي هذه الوسائل؟ أليس من المفيد أن نجعل الحج مناسبة لتكون مكة عينة من كل دار الاسلام ليس باشخاص الحجاج فحسب بل بثقافتهم كأن نقيم عروض الفنون الإسلامية وأهمها التمثيلي والتشكيلي مثلا؟
ثانيا التطوير القصدي: الثمرات الثقافية الموجودة وكيفيات تطويرها والثمرات الثقافية المفقودة التي نكتشفها عند مقارنة المنشود بالموجود. ويغلب عليها التواصل بالرموز الناطقة وأهما الآداب والعلوم. ومن ثم فالغالب على الظهور القصدي كذلك هو ادراك عدم التواصل الحقيقي بنفس المعنى السابق أو غياب وسائل تحقيق المنافع الغائية للوعي الخاص. فكيف يمكن أن نقوي هذه الوسائل؟ أليس من المفيد أن نجعل الحج مناسبة لتكون مكة كما أسلفنا في العنصر السابق فنقيم عروض الآداب والعلوم باللغات الاسلامية القديمة ( وأهمها: العربية والفارسية والتركية والأردية والمالاوية والبربرية والسواحلية ) والحديثة ( حيث فرضت لغات المستعمر الأوروبي وأهمها: الانجليزية والفرنسية والروسية والاسبانية والصقلبية والايطالية والبرتغالية) والترجمات المتبادلة بينها؟ 
3- مفهوم الحج[23]:
لعل أهم معاني الحج التي يمكن أن نتدارك بها معانيه الثقافية ما يمكن استنباطه من العلاقة بين الحج والحجة. فكلاهما من نفس المادة: حجج. والمعلوم أن العلاقة بينهما لا تتبادر إلى الذهن خاصة والحجاج الذي يخلطه الناس بالجدال منهي عنه في الحج. لذلك فعلينا أن نحدد هذه العلاقة بوضوح. فالحجة التي يكون الحج مواطئا لها هي الشهادة بمعنى الشهود للحجة البالغة التي تكون غنية عن الجدال رغم كونها مرتبطة شديدة الارتباط بالحجاج: فالحج مرتبط بابراهيم عليه السلام حيث هو نبي الحجاج بلا منازع مع قومه ومع نفسه ومن حيث هو نبي التضحية بلا منازع إذا لم يتردد على الشروع في ذبح ابنه رغم كونه أواها. الحج في علاقته بالحجة مثال من رؤية برهان الرب لذلك فكل مسلم مفروض عليه أن يسعى إلى رؤية برهان ربه رؤية عيانية في عين المكان وبنفس الشروط التي رأى فيها ابراهيم عليه السلام برهان ربه.
إن تعريف مفهوم الحج من حيث الوظائف الدينية كما وردت في النقل وكما يمكن أن يستنبطها العقل من تحليل مقوماته يبرزان دلالته من حيث هو تلاق بين المسلمين ذوي الثقافات المتعددة وألالسن المختلفة على أرضية الوحدة العقدية كما تتعين في ممارسة الشعائر[24]. لذلك فلا بد من التركيز على المنافع الثقافية التي تبني الجسور بين ثقافات المسلمين المختلفة جميعا بينها بالتعارف الذي من أهم شروطه التواصل الرمزي مع ربط ذلك بمدلول العودة إلى ابراهيم عليه السلام من خلال دلالات الرموز التي يمثلها[25].
معاني الحج الحج الظاهراتية
لكن التعريف المفهومي رغم أهميته يبقى محتاجا للربط بالتعريف الظاهراتي لمعاني الحج في الوعي الاسلامي. ذلك أن ضروب التمثل التي نجدها في وعي المسلمين ذات صلة وطيدة بمعاني الحج كما استخرجناها من تحليل علاقته بالحجة والاضحية. ويمكن استنباط الفهوم التالية:
الفهم الأول: معنى الحج في الوعي العامي مضاعف. ويمثله كل حاج تقتصر تجربته في الحج على الممارسة الحية التي لم تتحول إلى مادة قول نظري حول تلك الممارسة. فهو لم يكتب عن تجربته الشخصية في الحج ومن ثم فما نحلله هو الوعي الحي الذي يزول مع زوال التجربة الحاضرة ولا يحفظ إلا في الذاكرة النفسية وشفهيا فيتكرر سنويا عند حدوثه الفعلي. فالحرم مغسلة الذنوب وقصد التوبة و هو وجاهة لقب الحاج أو المنزلة الاجتماعية لما يمكن أن يفيده المرء من سمعة كونه حاجا.
الفهم الثاني: معنى الحج في الوعي العالم مضاعف كذلك. فهو يتحقق عند الحجاج الذين تجاوزوا الممارسة الحية والمباشرة إلى صياغتها في القول بجميع أجناسه يتضمن بالاضافة إلى معنيي الفهم العامي معنيين آخرين هما التعبير عن التجربة الشخصية في عمل فكري لعل أرفع اشكاله ما يرمز إليه مفهوم الفتح كما في الفتوحات المكية ثم التواصل مع كل تجارب التعبير الحاصلة وممكنة الحصول في التاريخ الكوني. وبذلك فما نحلله هو في الوعيين العامي والعالم من أمور تخلد في تجربة تتعالى على الزمان فتحفظ في أثر فكري يتكرر ارتياده في البحث المعرفي والحدوث الفعلي الذي يتكثف بما يضفيه عليه من عمق التراكم الرمزي الواعي بذاته.
الفهم الثالث: معنى الحج محققا للتواصل الزماني بهذا البعد الثاني المضاعف والتواصل المكاني بذاك البعد المضاعف فيوحد الجماعة برابطة الاخوة الملية مرحلة نحو الأخوة البشرية.
الفهم الرابع: معنى الحج نموذجا ليوم الحساب الذي تكون فيه النفس وحيدة وحدة مطلقة وذلك هو ما ينقلها من رابطة الأخوة الملية نحو الرابطة البشرية نقلة المعنى السابق له من رابطة صلة الارحام إلى رابطة صلة الرحمن.
الفهم الأخير: وعندئذ يتحقق المعنى الأسمى معنى الهجرة الفاصلة من جماعة العادة إلى جماعة العقيدة المطلقة التي يذكر بها القرآن بوصفها الديني في كل الأديان ومن ثم فهي الرابطة الفاصلة والواصلة بين الدنيا والآخرة. وذلك هو معنى الإسلام من حيث هو استسلام للبساطة الوجودية المتحررة من نسيان هذه العلاقة بين الدنيا والآخرة.
4 - مادة: عود:
وردت مادة عود ومشتقاتها في القرآن الكريم مرات عدة[26]. وهي تدور حول المعاني التالية: 1- معنى التحول والصيرورة كما في قوله تعالى: والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم ( يس 39). 2- ومعنى الرجوع إلى سلوك سابق كما في قوله تعالى: ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون ( الانعام 28) . 3- ومعنى الردة عن الملة اللاحقة إلى الملة السابقة كما في قوله تعالى: إنهم إن يظهروا عليكم يرجعوكم أو يعيدوكم في ملتهم(الكهف20). 4- ومعنى الاستئناف المطلق بالعودة إلى الأصل كما في قوله تعالى:  قال خذها ولا تخف سنعيدها سرتيها الأولى ( طه 21). 5- والمعنى الأخير الذي هو المعنى الغالب والجامع للمعاني السابقة هو معنى الخلق المستمر رمزا إليه بالبدء والعود كما في قوله تعالى: قل هل من شركائكم من يبدأ الخلق ثم يعيده(يونس 34). ولهذا المعنى الجامع دلالة أعمق تجمع بين الخَلق والخُلق في مفهوم الفطرة كما في قوله تعالى: فسيقولون من يعيدنا قل الذي فطركم أول مرة ( الاسراء 51).
5- مادة: حدث:
ونختم هذا الاستقصاء بأهم مفهوم تمثيلا لأزمة فكر الأمة قصدت مفهوم الاحداث. فبخلاف ما هو سائد من اتهام لكل معانى الاحداث بدءا بتبديع المحدثات وختما باتهام كل كلام عن الحداثة لا نجد في آيات القرآن الكريم الخمس التي وردت فيها مادة حدث إلا الوصف الإيجابي لمعنى الاحداث والحدوث والوصف السلبي لما يقابلهما وخاصة منه الاحتجاج "بما كان عليه الآباء". وتنقسم الآيات الخمس التي وردت فيها مادة حدث إلى معنيين معرفيين مطلق واضافي وإلى معنيين وجوديين مطلق وإضافي يتوسطهما معنى جامع بين العلم والوجود فيمثل الجسر الناقل من المعرفي إلى الوجودي.

المعنايان المعرفيان الخلقيان: المطلق والاضافي
1- فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا ( الكهف 70). فالاحداث هنا يتعلق بقول يعبر عن حقيقة يدركها من له اطلاع على الغيب فهو متصل بجوهر الصلة بين عالمي الغيب والشهادة. لذلك فهو متصل بالعلم المطلق أو المحيط. فيكون المعنى الاول للحدوث والاحداث متعلقا بطبيعة العلاقة بين العلم المحيط وما شاء الله أن يصل منه للانسان ممثلا هنا بالنبي في حواره مع الرجل الصالح.
2- وصرفنا فيه من الوعيد لعلهم يتقون أو يحدث لهم ذكرا ( طه 113). والاحداث هنا يتعلق بالتذكر الذي يحرر من النسيان. لذلك فهو متصل بالعلم الاضافي إلى علم الشخص الذي نسي رغم صلته بالعلم الفطري ( موضوع العهد مع بني آدم في ظهور آبائهم) وليس بالغيب. وإذن فللمعنى صلة بالمعنى السابق إذ هو مثله متعلق بالعلم رغم المقابلة بين الاطلاق والاضافة. 

المعنى الواصل بين المعرفي الخلقي والوجودي الديني:
3- فلا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا ( الطلاق 1). بدا الاحداث هنا ينتقل من الحصر في العلم إلى ما يتجاوزه مع تضمنه. فالأمر الذي يحدثه الله يتضمن العلم وكل شيء يمكن أن يخلقه الله. وإذن فالقصد يشمل كل ما صدق المخلوق فيكون المحدث والمخلوق شيئا واحدا من حيث الشمول.

المعنيان الوجوديان الدينيان: المطلق والاضافي:
4- ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون (الانبياء 2). الاحداث هنا يتعلق بالرسالة نفسها في صورة التذكير المتجدد على الدوام رغم اكتمال الختم فيها رمزا إلى ذلك بالاشارة إلى اقتراب الحساب. فيكون التذكير المتجدد ليس تذكير علم بل تذكير قيام: إنه حظ الانسان من القيومية الالهية. ذلك أن الذكر المحدث هو القرآن نفسه لأن الكلام في الآية موجه إلى النبي محمد (صلعم) صاحب الرسالة الخاتمة. وهو محدث بكل الدلالات التي أسلفنا أعني التجديد الدائم الذي يحرك التاريخ الكوني تحريك القلب النابض للبدن. والخطاب مطلق لأن الكلام موضوعه الناس عامة.
5- ما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث إلا كانوا عنه معرضين ( الشعراء 5). المخاطب هنا هو الرسول محمد صلى الله تعالى عليه و سلم والمحدثية متعلقة بالقرآن والفرق الوحيد هو أن الكلام هنا اضافي إلى من يخاطبهم الرسول الكريم خطابا مباشرا بدليل: لعلك بخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين.
فكيف نفهم التحديث الدائم أو البنض الحي الدائم لفعل التدبير والتذكير من حيث هو بدء وعود لا يتوقفان[27]؟ يمكن أن نقول إن الوعي الاسلامي قد أدرك هذا المعنى فرمز إليه بقكرة المجدد على رأس كل قرن. فكيف يمكن أن نفهم التجديد المتعلق بسنن الله التي لن تحد لها تحويلا ولا تبديلا لكونها عين الفطرة؟ وسنفهم العلة التي من أجلها نسبت الفطرة إلى الفاطر لا إلى المفطور بمجرد الجواب عن السؤال.
إن مادة حدث قد وردت في القرآن الكريم مزيدة بشكلي زيادة التعدية تضعيفا لعين الفعل (حددث ومشتقاتها ) أو زيادة للالف قبل فاء الفعل ( أحدث ومشتقاتها). فإذا بدأنا بمعاني الزيادة الأولى وجدنا فيها جميعا المعنى الايجابي من الخبر والاخبار أعني صدق القول اخبارا بالوقوع أو شكرا لنعم الله. لكن معانى الزيادة الثانية هي التي تعنينا بالذات لأننا نريد أن نشتق منها اسم الاسلام في عودته إلى ابراهيم عليه السلام. فإذا كانت الابراهيمية حنيفية فالمحمدية بمفهوم القرآن نفسه للاحداث حنيفية محدثة. وبذلك تتبين العلاقة بالزمان الاسلامي المحكوم بدلالة الختم بمعنى الحدوث والاحداث الدائمين بوسائلهما الرمزية والفعلية وتلك هي المنافع الثقافية التي من المفروض أن نجد في الحد أسمى صورها التواصلية داخليا (بين المسلمين) وخارجيا (بينهم وبين غيرهم). ذلك أن شروط تغيير الموجود وشروط توفير المفقود تتحدد في الحاضر بتأويل حدث الماضي ( التاريخ من حيث هو فعل رمزي ) وتحقيق معنى المستقبل ( التاريخ من حيث هو رمز فعلي ). لذلك فسنحاول تطبيق هذه المنهجية على دراسة منافع الحج الثقافية وصلتها بعودة الاسلام لمعانية في الحنفية الابراهيمية عودة تحرر الفطرة من التحريف والجاهلية بمنهجي التواصي بالحق منهاجا لتحقيق المنافع الثقافية النظرية ( استكمال حقائق العلوم وتطبيقاتها ) والتواصي بالصبر شرعة لتحقيق المنافع الثقافية العملية ( تتميم مكارم الأخلاق وتطبيقاتها ) بدءا بتحديد موقع الفكر الاسلامي الحي في لحظة الفكر الكوني الراهنة.

الفصل الأول
المسألة الثانية: طبيعة المرحلة الفكرية ومنزلتنا التاريخية

بات الفكر الكلامي مسيطرا على الفلسفة الحديثة منذ ما يزعمه السطحيون قطيعة مع العصور الوسطى وبداية الحداثة. وقد اتضح الأمر خاصة في الفلسفة المعاصرة التي أصبحت تعتبر المدخل التاريخي وما بعد التاريخي[28] المدخل الوحيد المقبول عقلا لفهم الطبيعة وما بعدها حتى إنه ليحق لنا أن نزعم أن علوم الطبيعة تأنسنت بعد أن كان السعي الفلسفي يهدف إلى طبعنة العلوم الانسانية[29]. لذلك فإنه يمكن أن نقول إن الفلسفة الغربية الحديثة كلها مجرد ترجمة لقضايا اللاهوت القديم والوسيط بعملية تعويض بسيطة جدا في خانة المبدأ. كان الله فصار الانسان. وكان اللاهوت فصار الناسوت. بعد الثيولوجيا تأتي الانثروبولوجيا بنفس المضامين التي لا تدق حتى عن الحمقى والغافلين.
فما يسمى بما بعد الحداثة هو علم كلام ناسوتي يكرر قضايا علم الكلام اللاهوتي بنفس الاسلوب الجدلي وبحسب مراحل الفكر اللاهوتي المعكوس من الوحدانية (الطبيعة الانسانية الواحدة ) إلى التعدد ( التقاليد الثقافية المتعددة ). لكن أدعياء العلمانية جهلهم يحول دونهم وفهم المنطق الذي يخضع له تطور الفكر البشري وما انتهى إليه في ما يبدو خاصا بظرفه الغربي الحالي. لذلك فلا عجب إذا ذهلوا عن العلاقة الوطيدة بين هذا الفكر الحديث والمعاصر وبين موقف التصحيح الاسلامي الساعي إلى تحرير البشرية من التحريف الثيولوجي الذي يحمل بذرة الأنسنة[30]. إنهم يقصرون العلاقة بين الفكرين التصحيحي والتحريفي على مظاهر سطحها فيتصورونها مجرد عرض سياسي علته تخلف المسلمين بدل فهم حقيقته الفلسفية العميقة.
وعندي أن العلة ليست بالأمر الذي يعود إلى عقيدة أصحاب هذه الرؤية. فلا معنى لاتهام أصحاب هذه التصورات بالكفر أو بمحاربة الاسلام. علينا أن نحكم بالظاهر والله وحده يتولى السرائر. فبحسب الظاهر لا يرى مثل هذا الرأي الغفل إلا من اقتصر فكره على التقليد أو الجهل. وكلاهما يؤول إلى الثاني منهما. فأما التقليد-الذي ينتج عن الجهل- فدليله أن هذا الرأي ليس من بنات فكر القائلين به منا. فهو عينه التصور الذي تنبني عليه الحرب النفسية ضد المسلمين. وأما الجهل- الذي يعلل التقليد- فدليله أنه لا يمكن لمن قرأ أو تدبر إن فرضناه قرأ شيئا مما يقال عن أساليب الفكر الغربي المسيطرة في لحظته الراهنة[31] ألا يفهم مآل المحددات الكونية لمعادلة المرحلة الفكرية وعلاقتها الجوهرية بالفكر التصحيحي المحمدي معادلتها المؤلفة من العوامل التالية:
1- الهرمينوطيقا (التأويل الثقافي من دلتهاي فصاعدا والوجودي من هيدجر فصاعدا )
2- والانالوطيقا (التحليل المنطقي في بداية حلقة فيينا واللساني في نهايتها )
3- وأثر الأولى في الثانية أو ما يسمى بفكر التفكيك المحرر من مركزية المنطق والميتافزيقا
4- وأثر الثانية في الأولى أو ما يسمى بالنقد الاجتماعي ثم الثقافي المحرر من مركزية السلط المتخفية
5- ووحدة الكل في علم الكلام الناسوتي أو الانثروبولوجيا سواء كانت تاريخانية مطلقة أو حاولت تأسيس ذاتها إما على ما بعد الطبيعة ( فلسفيا ) أو ما بعد التاريخ ( دينيا).
فقد يتصور البعض أساليب الفكر هذه وضرورة استبدالها (الثويولوجيا) 
-"الانثروبولوجيا" أمرين نتجا عن المصادفات التاريخية أو عن خاصية من خاصيات الحضارة الغربية بمعزل عن صلاتها بالحضارات الاخرى. لكن الفهم العميق لتاريخ الفكر البشري يبين أن المحدد الحقيقي يرجع إلى دور عاملين مضاعفين لا تخلو منهما حضارة تحددت بالجمع المتدرج بين الثقافة العملية الدينية[32] والثقافة العلمية الفلسفية كما هو شأن كل الحضارات التي نشأت وترعرت في ملتقى القارتين المركزيتين (آسيا وافريقيا) [33]: أولهما "لساني-منطقي" خالص يحدد شكل اسلوبها والثاني "معرفي- وجودي" خالص يحددها مضمون اسلوبها. وكلاهما كوني بالمعنيين التوزيعي والمقوم: فهو يوجد في ما صدق الحضارة أشخاصها شخصا شخصا وفي مفهومها لكونه احد مقومات تصور الحضارة. 
دور العامل الأول: شكل الاسلوب
فأما دور العامل الأول أو الدور اللساني المنطقي فيرجع إلى التنازع الدائم بين بعدي المفيد الدالي وبعدي المفاد المدلولي في عملية المعرفة إلى حد تحويل نحو الدال ومنطق المدلول إلى مادة تشكيلية تصاغ بحسب التناظر المطلوب بينهما. فبعدا الدال والمدلول الأولان يمكن أن يعتبرا صادرين عن نسبتهما إلى فاعل الافادة الدلالية فيكون تطابق وجهي البراغماتيكا (الدلالة من حيث علاقة المتخاطبين بعضهم بالبعض ) أعني التطابق بين الأفعال التعبيرية والمواقف القضوية وبعداهما الثانيان يمكن أن يعتبرا صادرين عن نسبتهما إلى مفعول إلافادة الدلالية فيكون تطابق وجهي السيمانتيكا ( الدلالة من حيث علاقة الرموز بالمرموز المحال عليه أو المرجع ) أعني تطابق الصيغ القضوية والمعاني القضوية. وبذلك لا يبقى لنحو القول أو السانتاكس (الدلالة من حيث علاقة الرموز بعضها بالبعض ) ومنطق المقول أو الترابط الضروري بين الظاهرات (القوانين العلمية) أدنى تأثير لأنهما يتحولان إلى مادة تشكيلية عقلية تنتسج فيهما استراتيجية فعل النطق المصوغة في الرموز لتحقيق التطابق الأول فيحصل ما يمكن أن نسميه هرمينوطيقا أو التطابق الثاني فيحصل ما نسميه أنالوطيقا. ولما كان السانتاكس (نحو الدال) والترابط الضروري (منطق المدلول) بين الظاهرات عصيين على هذين الردين فإن الحاصل فعلا هو أثر التطابق الأول من حيث هو غاية في التطابق الثاني من نفس الحيثية ( التفكيك ) أو أثر التطابق الثاني في التطابق الاول ( أو النقد ) من نفس الحيثية كذلك.
تلك هي معادلة الفكر المعاصر من منطلق العامل الأول الذي يحدد شكلها الاسلوبي: التأويل والتحليل وأثر الأول في الثاني أو التفكيك وأثر الثاني في الأول أو النقد. لكنها لا تكتمل إلا إذا بينا أن الأثرين علة تعينهما في نسبوية ما بعد الحداثة هي التغير المضاعف الذي طرأ على مبدأ الفكر الحديث الأساسي. ففاعل الدلالة لم يعد ذاتا كما كان في الفكر الحديث. فلا هو ذات مجردة ( الذات المتعالية: المرحلة الثانية من الفكر الحديث ممثلا بكنط ) ولا هو ذات معينة ( الذات النفسية: المرحلة الأولى من الفكر الحديث ممثلا بديكارت ) بل هو بات حالَ فاعليةٍ لثقافة ومجتمع معينين في احدى لحظاتهما التي هي حصيلة وقوعها ووعيها بوقوعها في علاقتها بفعل الدلالة.
كما أن مفعول الدلالة لم يعد موضوعا كما كان في الفكر الحديث. فلا هو موضوع مجرد ( الموضوع المتعالي: نفس الملاحظة في الذات المتعالية) ولا هو موضوع معين (الموضوع التجريبي: نفس الملاحظة في المذات النفسية ) بل بات حالاً انفعاليةً لنفس تلك الثقافة المعينة في نفس تلك اللحظة بما في حشاياها من متراكم. أما التطابق بين الحالين الفاعلة والمنفعلة فهو التفاتح Mutual disclosure بين الثقافة من حيث هي حال فاعلية والثقافة من حيث هي حال انفعالية في تلك اللحظة التي هي منظور التفاتح لكأن الحضارة كائن مدرك (وهي طبعا ليست كذلك ) يتألف من تراكمِ وعيِ بوعيٍ (مركب) يسعى إلى التطابق مع تراكم وعي (بسيط) إلى لا نهاية. فيكون حاصل هذه العملية: التأويل والتحليل حدين غائيين لا يتحققان خالصين أبدا ثم من تصادمهما يتحقق تأويل التحليل أو التفكيك وتحليل التأويل أو النقد الثقافي.
وما من ثقافة بلغت درجة الصياغة الواعية بنفسها لفكرها الوجودي الكلي بأسلوبيه النقلي والعقلي إلا ولها هذه الابعاد التي علامتها الرئيسية البلوغ إلى محاولات فلسفة التاريخ والسعي إلى تأسيس معرفته العلمية. وبذلك يتبين أن البنية التي وصفنا ليست خاصة بحضارة بعينها بل إن كل حضارة لا بد أن تعرف هذه الابعاد الخمسة ضرورة في لحظة النضوج التاريخي: حدان مثاليان ووسطان بينهما ناتجان عن تفاعلهما ثم وحدة الكل التي هي الحضارة من حيث هي كيان حي تتراكم أفعاله الترميزية في أفعاله الترميزية إلى مالا نهاية. والأمر الوحيد الذي يمكن أن يكون خاصا باللحظة الغربية الحالية هو أنها أولى اللحظات التاريخية البشرية التي أدركت غاية ذلك ( بالمعنى الاول من الادراك أي وصلت إليها ) دون أن تدرك دلالته ( المعنى الثاني من الادراك أي فهمت معناه ) لأنها لم تسطع تحديد طبيعتها.
وتلك هي العلة التي جعلتها تستنج منها عكس ما توجبه لو حللت مقوماتها فوقع التمييز بين محددات شكل أسلوبها ومحددات مضمونه كما نفعل بالاعتماد على التجربة العربية الاسلامية في تصديها لأنسنة الربوبية. فهي لا تؤدي إلى النسبوية كما يتصور الفكر الغربي الحالي إلا من حيث أعيان المادة الحضارية. لكنها كونية من حيث أشكال التعين وصورته: أي إن مخمس المواقف يحصل بصورة كلية فلا تخلو منه حضارة بلغت ما وصفنا بصفة النضوج التاريخي كما يتبين من محاولة ابن خلدون[34]. 
دور العامل الثاني: مضمون الاسلوب
وأما دور العامل الثاني أو الدور المعرفي الوجودي الذي يحدد مضمون الأسلوب الفكري بحسب ما سنرى من المراحل فيرجع إلى التنازع الدائم بين بعدي الآلهية ( الانسان من حيث هو مدرِك للالهي ) و بعدي المألوهية ( الله من حيث هو مدرَك للانساني ) في عملية الوجود الفعلي حتى في البعد المعرفي لأن ما يقع في الذهن درجة من درجات الوجود إذ لا معنى لأمر موجود ولا يعد من الوجود: المعرفة ضرب من ضروب الوجود. ويصل التنازع إلى حد تحويل نحو الوجدان ( بنية عملية المعرفة ) ومنطق الايجاد ( بنية عملية تحقق الموجود) إلى مادة تشكيلية تتحقق بحسب التناظر المطلوب بينهما في مجرى الوجود وفي علمه الذي هو ضرب من ضروب الوجود (وبه يتحدد الانسان).
فبعدا الآلهية (الإنساني- الإلهي) الاولان يمكن أن يعتبرا صادرين عن قيس الاول على الثاني بالاطلاق الوهمي مع التشبيه التام للخاصيات الوجودية الفعلية. فمن الكثرانية الجزئية للالهي ( لكل قبيلة آلهة متعددة) إلى الكثرانية الكلية (آلهة متعددة مشتركة بين القبائل المتحدة ) إلى الوحدانية الجزئية ( إله واحد خاص بالقبيلة: رب بني اسرائيل مثلا ) إلى الوحدانية الكلية المطلقة ( الله في الاسلام ). وجملة ذلك تؤلف مفهوم الألهي في حصول العلاقة الصاعدة من الانساني (الوجدان) إلى إلالهي (الايجاد) حصولا فعليا ( في الممارسات الحية لكل الشعوب وخاصة في المشاعر والفنون ) وحصولا ادراكيا ( في الفلسفات الحية لكل الشعوب وخاصة في فلسفة الدين وفلسفة التاريخ): ودلك هو حقا ما يعنيه قص القرآن لتاريخ الفكر الديني.
ثم ينعكس الامر فيقاس الالهي على الانساني بشبه تنازل من الوحدانية الكلية (الطبيعة الانسانية) إلى الوحدانية الجزئية (العنصرية) إلى الكثرانية الكلية (بعض النماذج الثقافية تستحق صفة الانسانية) إلى الكثرانية الجزئية (النسبوية الثقافية). وجملة ذلك تؤلف مفهوم الانساني في العلاقة النازلة من الالهي إلى الانساني. وبذلك نفهم لماذا لا يختلف الفكر الحالي عن الفكر الوسيط إلا بشيء واحد. يكفي أن يعوض المرء كلمة الله بكلمة الانسان في كل ما كتب في العصور الوسطى في الثيولوجيا وعلاقة الله بالعالم وبالانساني حتى يجد ما يكتب اليوم في الانثروبولوجيا وعلاقة الانسان بالعالم وبالالهي لو عوض المرء فيه كلمة انسان بكلمة الله. ما يعني أن الفكر الانساني لا يزال حبيس التماثل السطحي بين العالمين الأكبر والأصغر ولكن بمعنيين: المعنى المادي مقايسة للعالم الطبيعي بجسم الانسان والمعنى الروحي مقايسة لما يتصور روح العالم ( الله ) بما يتصور روح الانسان ( النفس البشرية ).
وبذلك ندرك جوهر نظرية القرآن الوجودية بمجرد فهم علاقتها بمنزلة الاسلام في تاريخ الرسالات الاسلامية ومعنى كونه اتماما لمكارم الاخلاق. فالأخلاق ليست عندنا ضربا من ضروب القيم بمعزل عن القيم الأخرى أو بجوارها بل هي تمامها أعني قيامها السوي: إنها مثال مجالها الأعلى جمعا لمعنيي المثال أعني تمام الخلق (جهدا تحصيليا: ومعنى ذلك أن كل موجود من حيث هو موجود جهد قيام يشرئب إلى كماله الذاتي) والخلقة ( حصولا: ومعنى ذلك أن حصيلة الجهد هي في كل لحظة من لحظات التحصيل كمال صوري يوحد ما تقدم من مراحل التحصيل ويوجه ما يلي منها ). ومن ثم فنسبة الأخلاق بهذا المعنى إلى أصناف القيم الخمسة هي عينها نسبة الإسلام إلى الأديان الكونية المنزلة ( قبل تحريف بعضها ليتحول إلى أديان قومية ) الخمسة الرئيسية التي تقدمت عليه. فمثلما لا تعد الاخلاق ضربا سادسا من القيم بل هي معنى كونها تلك القيم فإن الاسلام ليس رسالة سادسة بل هو معنى كون تلك الرسالات هي تلك الرسالات. لذلك كان الاسلام دينا نقديا للتحريف بالجوهر واستئنافا واحياء للرسالات لا رسالة جديدة. فكان مجيء محمد بهذا المعنى متمما لمكارم الاخلاق. فالأخلاق لا تعني ما فهمه الفقهاء حصرا إياها في احدى ثمراتها اعني سياسة التعامل بين البشر بل هي تمام القيم من حيث فعل تحصيلها وحصيلة هذا الفعل. ذلك أن السياسة يمكن أن يستغني أصحابها عن الأخلاق إذا عدمت فيهم الأخلاق كما نراه في كل الآفاق من الوطن الذي يعاني من الاختناق من الكذب والنفاق. فتكون مجرد منظومة من الحيل للنجاح كما هو الشأن عند الساسة والتجار وكل محتال من النخب التي تريك العجب بما تحذق من التلون والكذب.
وهذه الرسالات التي سيكون الاسلام تمامها الخلقي بالمعنيين اللذين أشرنا إليهما هي:
1- الرسالة الآدمية تأسيسا لنظام الحياة الاسرية على الذوق والجمال
2- والرسالة النوحية تأسيسا لنظام الحياة الاقصادية والمال
3- والرسالة الابراهيمية تاسيسا لنظام الحياة المعرفية على النظر والسؤال
4- والرسالة الموسوية تأسيسا لنظام الحياة المدنية تأسيسا على العمل والجلال
5- والرسالة العيسوية تأسيسا لنظام الحياة الروحية وادراك المتعال. ولما كانت الرابعة والخامسة قد حرفتا تحريفا أفسدت به الخامسة الأولى بأن نفت مبدأها أعني حلية الجنس وتحرير آدم وأبنائه من الخطئية وأفسدت به الرابعة الثانية بأن نفت مبدأها أعني كونية الرسالات وانجاء كل البشر من الغرق كان لا بد أن يأتي من يذكر بها جميعا من منطلق الرسالة الثالثة التي لم تحرف والتي كفرها التحريفان. وقد أنطلق منها الاصلاح المحمدي لأن القرآن الكريم أجاب ابراهيم عليه السلام واذ ابتلى ابراهيم ربه بكلمت فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماما. قال ومن ذريتي. قال لن ينال عهدي الظالمين ( البقرة 124). فكانت الرسالة المحمدية مسك الختام احياء للحنفية التي هي بناء على ما تقدم عليها واعداد لما تلاها من غير تحريفاتها. لذلك فهي بهذا المعنى تمام مكارم الأخلاق وهي حنيفية محدثة.
وإذن فالمقصود بالسوي ليس أمرا معياريا. إنما القصد كون الاصناف تحصل بحسب ما تقتضيه فطرة الله التي فطرتها. فإذا كانت قيم الذوق وقيم الرزق وقيم النظر وقيم العمل وقيم الوجود ما هي كان ذلك هو المقصود بالحالة السوية. ولنضرب مثالا. فالقيم الذوقية يمكن أن تكون غاية لذاتها. ويمكن أن تكون مجرد أداة لغيرها. فتسعمل في التسويق ( اقتصاديا ). كما تستعمل في الدعاية ( ايديولوجيا). فيكون الفن عندئذ قد أصبح أداة للشر. لم يبق فنا سويا. بل هو لن يبقى سويا حتى لو استعمل أداة في الخير. فلم يكن خيرا لذاته. وكذلك الرزق. فهو قيمة إذا كان رزقا للحياة ورمزا لشروط الاطمئنان لتقلبات الزمان الاطمئنان الذي يحرر الفرد والجماعة من التبعية الناتجة عن الحاجة. أما إذا تحول أداة كبر وتعد على الآخرين فإنه يصبح غير سوي لأنه لا يحرر بل يستعبد. وهكذا بالنسبة إلى كل أنواع القيم التي أحصينا: ذلك أن تمام الخلق هو الطابع السوي للخلقة ومن ثم فهو كون الشيء موافقا لمفطوريته التي فطرته عليها فطرة الله. 
الفصل الثاني
المسألة الثالثة: تعليل الاستئناف من الحل
الابراهيمي

تبدو النقلة في بادئ الرأي من الصعود إلى الهبوط من الصدف. لكننا إذا ربطناها بآخر مراحل الصعود وأولى مراحل الهبوط نفهم أمرين يمثلان اليوم قلب التاريخ الكوني:
1- كون الرسالة الخاتمة ليست رسالة جديدة بل تصحيح لتحريف الرسالات السابقة تصحيحا لا يقتصر على جدل النصوص بل هو يقتضي التدافع التاريخي.
2- وكون منزلة الاسلام معضلة الحضارة التي حققت كل مراحل النزول إلى حد اعتبار علاجها موضوع الحرب العالمية الرابعة.
فاطلاق الوحدانية الكلية للالهي قد تحققت دون منازع في الاسلام. لذلك فإنه يحق لنا أن نعتبره نهاية الصعود ومن ثم الدين الخاتم إذ لم يبق بعد ذلك من تصور للالهي أسمى من التصور الذي حددته عناصر الاخلاص الخمسة بموجبتين وسالبتين وأصلهما المتقدم عليهما: "(قل): 1- هو 2- الله احد 3- الله الصمد 4- لم يلد ولم يولد 5- ولم يكن له كفؤا أحد"[35]. واطلاق الوحدانية الكلية للانساني قد تحققت دون منازع في المسيحية. لذلك فهي قد رمزت لذلك ببنوة المسيح لله. لذلك فإنه يحق لنا أن نعتبر المسيحية بداية النزول الذي اكتمل في النسبوية ما بعد الحداثية غاية للنزول. ويمكن أن نعتبرها بهذا المعنى قابلة للتعريف بعكس معاني الاخلاص الخمسة بمجرد قلب علامتي الايجاب والسلب مع قلب الترتيب أعني بقرأءة السورة من النهاية إلى البداية: "1- له كفؤ أحد (=ابنه) 2- ولد (ابن الله) ويلد (كل من يحل فيه المسيح وخاصة البابا ) 3- ليس صمدا ( لأنه مؤلف من ثلاثة4- وليس أحد (لأن له شركاء) 5- وإذن فلا تقل هو ( بل قل هم )".
وليست المقابلة من اختراعي. فهي مضمون سورة آل عمران:" ما كان لبشر ( عيسى عليه السلام) أن يؤتيه الله الكتاب ( النقل والتأويل ) والحكم ( العقل والتحليل ) والنبوة ( القدرة على الجمع بينهما في الاتجاهين ومن ثم التوحيد بين اسلوبيهما) وذلك هو تعريف الرسول في القرآن الكريم ثم يقول للناس (تبليغ الرسالة ) كونوا عبادا لي من دون الله. بل كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب ( التنزيل) وبما كنتم تدرسون (الحكم)" ( آل عمران 79). لذلك فهذا الفهم للنقلة من التسامي إلى أكثر تصورات الله تنزيها من التشبيه مع أسمى المخلوقات إلى التداني إلى أكثرها تشبيها به فهم قرآني خالص ليس لي فيه فضل إلا ربطه بتطور التاريخ الفعلي للفكر الانساني عامة (وحدة الأسلوبين النقلي والعقلي) في بعده الديني رمزا إليه بالكتاب ( التأويل ) مطبقا على الحكم وموضوعه ( تأويل التحليل ) وبعده الفلسفي رمزا إليه بالحكم ( التحليل ) مطبقا على الكتاب وموضوعه ( تحليل التأويل) [36]. لكن تاريخ الدينين المسيحي والاسلامي يفرض علينا علاج المشكل التالي: كيف تقدمت بداية النزول إلى حضيض التشبيه على نهاية الصعود إلى اوج التنزيه ؟ الجواب عن هذا السؤال عسير جدا رغم كونه شرط فهم العودة إلى ابراهيم عليه السلام.
فعلينا قبل علاجه أن نحلل امرين لنفهم المنظورين المتقابلين للعلاقة بين الاسلام والاصلاح المسيحي. الأول هو جواب هيجل على ما يناظر هذه المسألة. والثاني هو جواب القرآن الذي نؤخره في تحليلنا لعلاقته بالجواب عن المشكل الثاني. فقد اعتبر هيجل الاصلاح البروتستنتي ثمرة للمخاض الطويل الذي مر به هذا المعنى المسيحي ( الذي يعتبره أصل الحداثة أعني اكتشاف الذاتية أو مفهوم الانسان الكلي بتوسط بنوة المسيح لله وموته فداء للانسانية ) بالمقارنة مع النجاح السريع المستند إلى الاسلام الذي يعتبره عبادة الكلي المجرد ويطلق عليه اسم الثورة الشرقية التي تلغي كل تعين فتجعل الانسان عبدا لله باطلاق. ومعنى ذلك أن هيجل يعتبر المسيحية آخر الاديان رغم أنه لا ينكر الدين الاسلامي ولا ينفي نبوة محمد بخلاف المفكرين المسيحيين. وإذن فالحل الذي يراه هيجل هو اعتبار الدين المسيحي مر بمرحلتين: ما قبل الاصلاح وما بعده. والمرحلة الاولى مجرد فكرة والمرحلة الثانية تحقيق لتلك الفكرة لأن الذاتية ينبغي أن تمر بمرحلة الوعي لتصل إلى مرحلة الوعي بالوعي ومن ثم فحقيقة المسيحية حسب هيجل هي الاصلاح الجرماني الذي قرأ الانجيل وفهم نصه اليوناني الذي أول بضوئه كتاب التوراة العبراني: وتلك هي العلة العميقة للصراع بين الصهيونية والنازية. فكلتاهما تقول بالشعب المختار دينيا عند الأولى وفلسفيا عن الثانية. وهكذا فقد اجتمعت مراحل النزول من اطلاق إثبات الانسان إلى حد التأليه إلى اطلاق سلبه إلى حد التسفيه فأصبح ريشة في مهب الريح بحسب الجدل العضواني(داروين) والتاريخاني (ما بعد الحداثة).
أما الثاني فهو ما يمكن أن نعتبره الجواب القرآني. وهو ذو درجتين. أولاهما هي الأصل وبحسبه فإن الاسلام لا يقبل الترتيب بحسب التوالي الزماني للاديان لانه ليس دينا جديدا. فهو الديني في كل دين طبيعيا كان الديني أو منزلا ومن ثم فهو الأول والآخر. فالدين حسب القرآن هو الاسلام. وهو الفطرة. لكن ذلك لا ينبغي أن يستنتج منه المتعجل أن التوالي الزماني خال من المعنى عند نسبته إلى الاسلام. وتلك هي العلة في وجود الدرجة الثانية من الجواب. فحقيقة الديني في كل الاديان هي ما يذهل عنه الانسان فتصبح نسيا من النسيان يقتضي استئناف البيان. وذلك معنى الذكر في القرآن: التذكير بهذه الحقيقة الواحدة. وهو بذلك متمم مكارم الأخلاق بمعنى أنه الحائل دون الاخلاق التي تنكص بالبشرية إلى الغفلة والنسيان في مجالات القيم الخمسة: قيم الذوق والرزق والنظر والعمل والوجود. وهو خاتم بهذا المعنى رغم أن الرسالات تامة في كل مرة ولا تحتاج إلى استكمال. إنها جميعا واحدة من حيث الحقيقية الكامنة في كل رسالة متقدمة. لكن الرسالتين الاخيرتين قبل الختم المحمدي أفسدتا الرسالتين الاوليين بما طرأ عليهما من تحريف حولهما إلى عكسهما ولم ينج من التحريف إلا الرسالة الوسطى أعني رسالة ابراهيم عليه السلام لذلك اعتبرها التذكير الخاتم بداية التدبير الحاسم.
كيف نجيب الآن عن السؤال أعني كيف نفهم تقدم بداية النزول نهاية الصعود فنعللها بمقتضى ما يجري في التاريخ الفعلي ؟ جوابنا في الحقيقة ليس جوابا عن السؤال في صيغته الساذجة لأنه يقتضي قبل ذلك بيان أعصى المسائل عن الحل في قضية الترتيب من خلال اعتراض بين لكل ذي بصيره على جواب القرآن بدرجتيه عودة من الأخيرة إلى الأولى. وهذا الاعتراض بفرعيه هو عينه حجتا التكذيب بنبوة محمد حجتاه الرئيستان. فما الذي يضمن أن يكون التذكير المحمدي أخيرا ؟
1- أفتكون الانسانية أصبحت منزهة عن النسيان فتستغني عن استئناف البيان بعد القرآن ؟ الرد بوعد الحفظ لا يكفي لانه لا يقنع به غير المؤمن بالقرآن فلا يكون رد البرهان؟ ومن ثم فلا بد من تحديد الشروط الفعلية التي تمكن المسلمين من أداء دورهم في التدافع بين منطق الصعود ومنطق النزول القيميين حتى تتحقق الشهادة على العالمين.
2- وكيف يمكن أن يكون الدين كونيا بالمعنى التوزيعي أي أن يكون لكل أمة نبي بلسانها ثم نزعم القرآن موجها للبشرية كلها بل وللانس والجان لأنه عين الحقيقة الدينية الكلية في كل الأديان طبيعيها ومنزلها؟ ومن ثم فلا بد من تحديد الشروط الرمزية التي تمكن المسلمين من أدوات التواصل التي لا يكفي فيها الخطاب اللغوي لأن اللسان لا يغني عن غيره من سبل البيان التي اعتمد عليها القرآن.
رد الاعتراضين بالحجة العقلية يجيب عن سؤالنا لأنه يبين طبيعة الحجة التي لا جدال فيها. فالتذكير الذي لا ينسى ينبغي أن يكون تذكيرا متواصلا في احداث التاريخ الفعلي ليبقى متواصلا في معانيها ومن ثم فهو تذكير فاعل في ساحتي التاريخ البشري أو بعدي الابداع الحضاري: بعد القوة الرمزية وبعد القوة المادية في أصناف القيم الخمسة. أما التواصل فدليله قائم ومشهود بالعين المجردة. فهو عين الصراع الدائم مع ممثلي درجات النزول الخمسة من تأليه الانسان في بداية التحريف المسيحي إلى تسفيهه في غاية التحريف المسيحي أو المسيحية الصهيونية. لذلك فمنذ نزول القرآن إلى اليوم لا يزال التاريخ الكوني معركة بين التذكير المحمدي بمراحل الصعود والفرض الغربي لمراحل النزول. والمعركة لم تحسم بعد لذلك فلا يمكن ان نحكم على نتائجها فنزعم أن المسلمين هم المهزومون في مجالات القيم الخمسة. فهزيمتهم رغم طول عهدها في الظاهر ليست هزيمة بل امتحان وفرصة للاستئناف. و عدم حصول الهزيمة المزعومة يمثل الدليل الذي لا غبار عليه على صحة الدعوى. فلا يمكن نسيان التذكير المحمدي من دون القضاء على الحضارة الاسلامية. لكنها تملك قلب العالم وخمس سكانه مع شروعها الفعلي في استئناف دورها الكوني فضلا عن كون المسلمين هم شباب العالم بخلاف الحضارة الهرمة التي تحاربهم.
وأما علاج المفارقة الناتجة عن خصوصية اللسان وكونية البيان في القرآن فذلك هو العلة الحقيقية للبحث في المنافع الثقافية للحج مدخلا لتحديد دور المسلمين في الابداع القيمي عامة. فلو بقي الاسلام مجرد خطاب لا يبلغ إلا باللسان لبقيت الرسالة مقصورة على العربان أو على من يتعلم العربية من بني الانسان. لكن دعوته حواملها كل حوامل القيم التي يحددها القرآن الكريم للذوق والرزق والنظر والعمل والوجود ليس في مستواها الرمزي من حيث هي مثل عليا فحسب بل في مستواها الفعلي من حيث هي مشروع سياسي يحقق أمة تكون المعلم الحضاري الذي تتعين فيه هذه القيم. وبذلك تكون أدوات التبليغ اللسانية أقل الأدوات استعمالا ولا يلجأ إليها المسلم إلا إذا اراد لعلمه بالقرآن استكمالا.
لكن الضمور الذي أصاب المستوى الرمزي من الابداع الذوقي والرزقي والنظري والعملي والوجودي في الحضارة الاسلامية بسبب معركة الديكة بين النخب الاصلانية والنخب العلمانية في عصرنا وبين نخب العلوم النقلية ونخب العلوم العقلية في العصور الوسطى كاد يقضي على أدوات التبليغ الكونية في الرسالة المحمدية التي تحولت إلى هذائيات أرقاها ثرثرات أيمة الجمعة والباحثين عن الصيت والسمعة في الفضائيات. نسي الجميع أن علوم الآيات بمعناها العام ( التي تعود إلى الوجود كله الذي تقيمه أصناف القيم الخمسة ) التي تتلكم فيه الآيات بمعناها الخاص ( التي هي وحدات نص القرآن الدنيا ) والعمل على علم بتلك العلوم بحسب قيم موضوعاتها (إذ إن العلوم نفسها أحد الموضوعات المقيمة) كانت ولا تزال أهم ادوات التبليغ الغني عن التشدق باللغو المتلفز والمذيع.
وطبعا فقد يتصور الكثير أن كل هذا مجرد تأويل لا يؤيده حكيم التنزيل. لكأن الآيتين 104 و110 من آل عمران ليستا من القرآن. فالآية الأولى انشائية: " ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون" إنها تأمرنا بأن نكون الأمة التي تتصف بصفات هي عينها الصفات التي تؤهلها لأن تكون خير أمة. وذلك ما أكدته الآية الثانية في صيغة الخبر الذي ينبغي أن يفهم فهم جواب شرط مقدر: كنتم خير أمة اخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله. ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم. منهم المؤمنون. وأكثرهم الفاسقون: فمدلولها أننا نكون خير أمة إذا أمرنا بالمعروف ونهينا عن المنكر وآمنا بالله.
ويكفي فهم منطق الآيات الخمس المتوسطة بين الآيتين حتى نعلم القصد من اختلاف الصيغتين شكلا ومضمونا. فالانشائية تحدد شروط الفلاح فتحصرها في طبيعة الدعوة (الدعوة إلى الخير) وفي مضمونها ( الامر بالمعروف والنهي عن المنكر). لكنها تقف دون الاثبات الخبري. أما الخبرية ( الآية 110) فشرط الاتصاف بها أن يستجيب المرء للامر ( الآية 104) ليضيف إلى الطبيعة (دعوة الخير ) والمضمون ( الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ) الغاية ( الإيمان بالله). ولو وقفت الآيتان عند هذا الحد لكان الأمر عديم الصلة بموضوعنا. فالآية 110 تشير صراحة إلى المقابلة مع أهل الكتاب. وما بين الآيتين يشير إلى علة إضافة الايمان بالله للانتقال من الانشاء إلى الخبر بخصوص تكليف المسلمين بالرسالة. فدعوة المسلمين إلى الخير تكون بأخلاقهم قولا وفعلا لئلا يكونوا مثل المذموم من الشعراء ( أعني تحقيق القيم الخمس بحسب قوامها السوي لكي يصدق وصف الرسول بعثته بكونها لتتميم مكارم الأخلاق ) فيحصل الفلاح الدنيوي والاخروي: وتلك هي وسائط التبليغ المعالجة للمفارقة بين خصوصية اللسان وكونية البيان في القرآن.
وأخيرا فإن التذكير بغاية الصعود ينبغي أن يأتي بعد حصول بداية النزول المتضمنة لغايته. ذلك أنه لا معنى لعلاج مرض لم يحصل. فلو لم تمرض البشرية مرضا يدفع بها إلى البحث بعقلها ووجدانها عن العلاج الشافي لكانت في غنى عنه. لذلك فإن أصل الوجود يصبح منتظرا أن يجود بالحل المحمود. وذلك ما حصل بفضل الرسالة الخاتمة التي لا تدعي الاتيان بمضمون جديد بل تذكر بالمضمون الواحد في كل الأديان عند تخليصها من التحريف المادي ( تغيير دال الرسالة) والمعنوي ( تغيير مدلول الرسالة). وتذكيرها لا يعتمد على مجرد الدعوة الدينية بالكلام بل هو مشروع سياسي ذو نظام يحقق القيم في وجود الأنام حتى لا يكون التذكير مجرد أحلام. إنه قيم حية يتواصى أصحابها بالحق اجتهاد في مجال الذوق والرزق والنظر والعمل والوجود ويتواصون بالصبر جهادا لتحقيقها بالفعل. لذلك اعتبرنا محاولتنا استكمالا لمشروع ابن خلدون وابن تيمية في تحقيق شروط الاصلاح المتواصل أعني المعنى الحقيقي للاجتهاد بمعيار التواصي بالحق والمعنى الحقيقي للجهاد بمعيار التواصي بالصبر في مؤسسات حددنا بعضها في غير موضع.
الفصل الثاني
المسألة الرابعة: التعريف النقلي والعقلي لدور الحرم المكي الشريف
الدلالة النقلية لتغيير القبلة

إذا كانت الدلالة العقلية كما سنرى لاحقا تعتمد على تحديد عوامل التأثير التي ننسبها إلى دور المسجد الحرام أعني وحدة الزمان والمكان وفعلي توحيدهما والتوحيد الشامل للعناصر الأربعة فإن الدلالة النقلية ترتبط مباشرة مع مقومات ابدية التذكير الفعلية أعني شروط التدافع في التقابل بين الصعود والنزول القيميين رمزيا وفعليا. فهي تعتمد على معنى التذكير من حيث هو راجع إلى تخليص الدين من تحريف أهل الكتاب وجاهلية المشركين لتعميم إتصال المطلق بكل البشر وعدم احتكار الوحي والحقيقة ( لكل أمة رسول بلسانها ) ولتوحيد البشرية ( الرسالة الخاتمة موجهة إلى كل البشر بل وإلى كل المخلوقات). وهذا المعنى حدده الإسلام عندما أشار إلى القصد من تغيير القبلة. كما أشار الإسلام للتخليص من التحريف والجاهلية من حيث هو تجاوز ما يفقد البشرية وحدتها عندما عرف الطاغوت[37] بممثليه: السلطة الروحية المستعبدة للإنسان بالاستحواذ على رزق الله الروحي والسلطة الزمانية المستعبدة للإنسان بالاستحواذ على رزق الله المادي.
معنى تغييير القبلة
كل من يعتبر بيت المقدس أولى القبلتين لا يقول إلا ظاهرا من الحقيقة. فهي الأولى في الترتيب الزماني إذا حصرنا تاريخ الإسلام في لحظة الصدر الزمانية فصلا له عن التاريخ القرآني للدين بمفهومه المطلق. لكنها القبلة الثانية في ترتيب التاريخ الديني الكوني كما يعرضه القرآن الكريم: وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا واتخذوا من مقام ابراهيم مصلى وعهدنا إلى ابراهيم واسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود ( البقرة 124) حتى وإن لم يذكر مدلول القبلة إلا رمزا بتعيين سيدنا إبراهيم إماما للناس جميعا في الآية التي قبلها علما وأن بناء المسجد الحرام المشار إليه في القرآن الكريم متقدم على المسجد الأقصى بنفس الإشارة: وإذ ابتلى ابراهيم ربه بكلمت فأتمهن. قال إني جاعلك للناس إماما. قال ومن ذريتي. قال لا ينال عهدي الظالمين ( البقرة 124).
فهذه الإمامة تقتضي بالضرورة أن يكون المسجد الحرام هو القبلة الأولى. ومن ثم فنقل القبلة من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى كان من نتائج التحريف الذي غير دين ابراهيم أو الحنيفية تهويدا لها وحصرا للامامة في ذرية بعينها حصرا رفضه الله صراحة عندما استثنى في قرآنه الكريم من عهده الظالمين فحدد العدل شرطا لها وعممها على العادل من الناس لتعم النبوة كل الأقوام وتختم في فرع ذرية ابراهيم الثاني. أما القبول بهذه القبلة في بداية الإسلام فكان كما حددته آيات القرآن الصريحة لقصد إلهي مضاعف: فله هدف عرضي هو ديمومة التذكير بهذا التحريف وله هدف جوهري هو امتحان إرادة المسلمين خاصة وكل البشر عامة إرادتهم التحرر من التحريف عندما يؤمرون بتغيير القبلة فيسمعون[38].
فالآية 143 من البقرة تقول في جزئها الثاني بعد نسبة دور الشهادة على العالمين إلى المسلمين شهادة الرسول الكريم عليهم تعتبر ما كان في تاريخ الصدر أولى القبلتين هو في الحقيقة مجرد امتحان لتحرير الناس من تحريف أهل الكتاب تحريفهم الذي ألغي القبلة الإبراهيمية معوضا المسجد الحرام بالمسجد الأقصى أعني بالقبلة التي أقرها الإسلام في البداية لجعلها فرصة الامتحان المخلص من التحريف:...وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه.... ومن ثم فتغيير القبلة في القرآن ليس إلا عودة إلى الأصل وامتحانا للمسلمين في سعيهم إلى التحرر من التحريف وتحرير البشرية منه. وبذلك تعود إمامة ابراهيم عليه السلام إمامة للناس وليست مقصورة على شعب يزعم نفسه مختارا:  أم تقولون إن ابراهيم واسماعيل واسحق ويعقوب والأسباط كانوا هودا أو نصارى. قل أنتم أعلم أم الله. ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله وما الله يغافل عما تعملون ( البقرة 140).
النقلة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام قبلة كونية عودة إلى القبلة الكونية الأولى المتقدمة على التحريف وامتحان لإرادة التحرر منه عند المسلمين وعند كل البشر. لذلك أشارت الآية الموالية إلى التحريف بضديده مع المقابلة بين العلم والعمل ما دام التحريف لا يكون إلا عملا شريرا على علم من المحرف إذ هو لا يكون إلا التغيير المادي للنص أو التغيير التأويلي لمعناه:... وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم وما الله بغافل عما يعملون( البقرة 144).
معنى التخليص من التحريف
والأهم من ذلك كله هو دلالة التحرير العميقة المتجاوزة للتحريف من حيث هو حدث تاريخي قام به قوم بعينهم تغييرا لمتن النص أو تأويلا لمعناه إلى التحريف بمعنى افساد دلالة الشعائر (أفعال الشعيرة) والمشاعر ( مكان الشعيرة ) الروحية بنقلها من الدلالة الرمزية على مقاصد روحية إلى الدلالة المادية للوساطة التي هي علة التحريف والتي تتكرر في كل الملل ما يجعل تحرير العقيدة من هذا التحريف بالضرورة منطلق إصلاح كل الانحرافات التي تطرأ على العقيدة الخاتمة: عبادة الطاغوت أعني الوسطاء عبادته التي يرمز إليها توثين الشعائر والمشاعر وسلطان الخرافة أداة الوسطاء الروحيين وسلطان القوة أداة الوسطاء الزمانيين.
لذلك أشار القرآن الكريم إلى القصد من القبلة فنفى عنه أن يكون تفضيل وجهة بعينها لتكون مستفردة بالتوجه إلى الله:  ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله سميع عليم ( البقرة 115). واعتبر القصد تحقيق وحدة التوجه بصورة توقيفية: الحق من ربك فلا تكونن من الممترين* ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات أينما تكونوا يأتي بكم الله جميعا إن الله على كل شيء قدير ( البقرة 147-148). ويكون هذا التوحيد بدلالات الوحدة الخمس التي سنخصص لها مبحث الدلالة العقلية للحج إلى الحرم المكي أعني بحسب مؤثرات دور المسجد الحرام: 1- وحدة مكان الأمة 2- ووحدة زمان

المصدر:- الملتقى الفكري .
http://almultaka.net/home.php?start_from=240&archive=&subaction=&id=&
الرجوع الى بداية الصفحة     نسخة للطباعة
الاسم: مصطفى نعمة      البلد: العراق \\تكية اديالى       التاريخ: 20-12-2007
بسم الله الرحمن الرحيم(اللهم صل على سيدنا محمدالوصف والوحي والرسالة والحكمة وعلى اله وصحبه وسلم تسليما)جزاكم الله خيرا وكل عام وانتو بخير


أضف تعليقا
الاسم
البلد
البريد الالكتروني
التعليق
اكتب الارقام الظاهرة في الصورة