الرئيسية     نداء الى العالم     مختارات مترجمة    الارشيف     اتصل بنا
لغة العمق العاطل

 د. أحمد بلحاج آية وارهام  

إن الكائن المفكِّر في الكتابَةِ وبالكتابة لهو الكائن اللغوي بامتياز، لكونه مبدع حضارات وثقافات ما تزال تتناسل على سطح كوكبنا ونتداولها. وهي في جوهرها تعتمد على اللغة؛ التي هي مجموعة أصوات منطوقة ومسموعة خاضعة لحركيَّة الجسد وتوتُّراتِه؛ للتواصل والتثاقف سواء أكان ذلك في لبوس شفاهي أم في لبوس كتابي.
والمعايير التنافسية القائمة اليوم في "القرية الكونية" الموسومةِ بالشوملةِ تفرضُ على الكائن لغتها باسم المستقبل، وتهدِّدُه بالاغتراب عن ذاته، وتربته، وجذوره، وعن كل ما يربطه بممارسة اختلافه ككائن خلاق. وبما أن اللغة كيان، فإن مداراتها تختلف باختلاف تمَوْقُعِ الإنسان ذاتًا وبيئةً وتصوراً ووجداناً وزَمَنًا، حيث نلتقي مع عديدٍ من اللغات تصدُرُ عنه وتُجَلِّيهِ وتُفصحه، وتكون لغة الكتابة أبعاده وقيمته الوجودية؛ أعلاها: لغةُ الكتابة ولغة اللامحدود.

1- لغةُ الكتابة ولغة اللامحدود
فالكتابة تورُّطٌ وتوريطٌ، لا ترفعُ التناقضَ، ولا تَتَغَيَّا التصالحَ والوحدة، وإنما تنشدُ إبراز الاختلاف كبُعد جوهري في الوجود، والرفعَ من إيقاعِ سيرته، لا كضرورة وُجُودية مُلِحَّةٍ ومقموعةٍ، بل كجسرٍ لا مُتَنَاهٍ بين المألوف والمجهول، بين الثبات والتحول، بين التكينُن واللاتَكَيْنُنِ. إنها الوجه المشعُّ إيقاعًا وغربةً وحميميةً في غيهبِ الزمن، وهي الشذوذ الأرقى المُطَالِبُ بحق الاختلاف كفضيلةٍ ضرورية، ليست لغتُها هي حالةَ الكلام العامِّ المشترك بين الجميع، وإنما هي حالة الإحاطة والتجاوز؛ أسلوبها تتبدَّى فيه أسرارُ الدم والغرائز، والعمقُ الشديدُ وكثافة الصورِ، واختباراتُ الأجسادِ والرغبات، والأزمنةُ السريةُ المنغلقة والمغلقة.
إنها احتفالُ الواضحِ أو الخفي، الذي عن طريقه نلجُ إلى معبد يفرضُ علينا إيماناً ضمنيًّا وقدرًا من العادات، وإشاعةً تُحول ما يمكن أن نقوله وتُحمله بنوايا تكبر فعالياتها بقدر ما يُعترفُ بها. فهي تساؤلٌ حول القيود والأعباء التي يفرِضها الوجود(1)، وكل مُبدعٍ يواجه هاتيك القيودَ بالكتابة كسلاح إشكالي للتحرر من المحدَّد والخروج عليه وحماية الذات. والشعرُ؛ بما هو إشكاليةُ كتابة عُليا؛ يحمي نفسه من كل مُحَدَّدٍ، وذلك بالخروج عليه والنأيِ عن سلطانه، والدخولِ في اللامحدود حتى لو ألفى نفسه أعزلَ من أي سلاح، إذ سلاحه هو لغته ورغبتُهُ في الذود عن جوانية العالم وإنسانيته ضد مظهرانيته وصرامة تفسُّخه، فأن تكتب شعراً معناه أن تكون في لامبالاةٍ مع الخارج تجعلك سيد الكون، وتحسسك بأن لك تجربة خارجة عن نطاق التفاهم والاتفاق والتواطؤ والقانون، هي الخطأ والخارج، هي ما يُسْتعصى إدراكه، هي الشاذ والمختلفُ(2) الذي مع غير أنس ذاته الحميم لايأتلفُ، وبما أنها كذلك فإن الكائنَ المشغولةَ به والمنذُورَةَ له يكون متعدداً لا واحديًّا، متنوعا لا مُنَمَّطًا.

2- كائن متعدِّدٌ..أم كائنٌ مخدَّرٌ؟
وهنا تكمن المعضلةُ فالكائن سيرورة وانفتالاتٌ وجودية، وعمقٌ زمنيٌّ متأبٍّ على إواليَّاتِ الرصد وآليات التنميط مهما أمعن مكرُها في التخفِّي. له وجهان: وجه هو ميزةُ الضلال، ووجهٌ هو قابليةُ الإصلاح، واختلافهُ هو آخر ما يمتلكه ويعتدُّ به في مواجهة المخدِّرِ الذي يحقن به يومياً. فالاختلافُ هو نوع من المقاومة لطاحونةٍ ترومُ انتزاعَ الكائن من كائنيته وكينونته، والمطالبةُ بالحق فيه في عالم لا مُبَالٍ ومتشابهٍ وشرسٍ يعني المطالبةَ بإنسانية مفتقدةٍ في حضارة مزعومةٍ همُّها رفاهيةُ القلة وبؤس الكثيرين(3)، ولذلك كان لجوء هذا الكائن إلى لغة عمقه العاطل تعبيراً أقوى عن تشبُّثِه باختلافه، ورفضه لكل الأطاريح التي تسعى إلى فصله عن أبعاده الإنسانية ومناطقه الأخرى الحميمية التي لا يتم التكَيْنُنُ إلا بها كالمناطق الأخلاقية والميتافيزيقية والأسطورية والجمالية والصوفية. فهذه المناطقُ قد حاول الإعلامُ بتقنياته العُليا اجتثاثها وكشطها من ذاكرة الكائن ووجدانه عن طريق تسرُّبه إلى كل منزل في المعمورة مثل أي منتوج استهلاكي، مع برامج هدفها تهييجُ بهيمية لا تحدُّ، مصحوبة بدعايات تحطُّ من قدر الكائن الإنساني، وتضعه في مرتبة الكائن المُخدَّرِ، وبدلاً من بيعِ السلعة له يتمُّ بيعه هو للسلعة(4)، وهذه هي أعلى قمةٍ لاستعباد الكائن البشري وتشويهه. وإذا كانت الرواقية قديماً قد بصرت الكائن الآدمي بحقيقته الوجودية، وعرفته بأنه "مجموعة رغبات لا يمكن أن تلبى"، لأن في تلبيتها شقاء له، وتدميراً لطبيعته، وإفساداً لوجوده، فإن الشومَلَةَ اليوم قد مكرتْ به وخدعته حين أعادت تعريفه بأنه "مجموعة رغبات يمكن أن تلبَّى"، وبتلك الخدعة تمكنت منه اقتصادياً وتكنولوجياً، وأفرغته وجدانياً حتى صار لا يرى إلاَّ هيَ، ولا يسمعُ إلا صوتها في كل مستويات وجوده، كأنها إلهه الجديدُ، مما أدى به إلى نكوص وارتكاسٍ في هويته ومكوناته اللامادية. 
إن الشعور بتهديد الشومَلَةِ لا يكفي بل لابد من إحداث شرخ في الجدار حتى يتسرب شعاع من نور يضيء السديم الغامضَ الذي يغطيجوانية الكائن ويفعل فيها(5)، ويحدُّ من قيمته. إذ بإمكان نص شعري منسوج بماء صوفي ولغة مسكونة بالعمق العاطل أن يفتح العيون، ويُحدث انفعالاً، ويكشفَ برهاناً يُنير الوجود المهدد، ينيره هذا قدره... ولكن ليس في استطاعته أن يحول دون عسف السلطات واندفاعاتها وجشعها لامتلاك خيرات العالم وارتهان مستقبله غير القار، كما ليس في استطاعته كذلك أن يحول دون الجوع والأوبئة والمظالم والتوترات والتشنجات والاختلالات. ولكنه قادر على أن يكون قوة شبيهة بقوة الجوع وما شابهها.. قوة تغادر معبر النجوم وبريقه، وتلتجيءُ إلى الهامش لتفعل فيه فعلتها الإنسانية(6). والفعلةُ الإنسانية ما هي إلا حركيةُ السؤالِ داخل العمق العاطل بلغة المنْحَجِبِ. 
فهل إذن؛ سؤال الذات وسؤال الوجود هما اللذان يحفران مجرى المعرفة الأونطولوجية؟ أم حركية الزمَان وملابساتها في العمق العاطل هي التي تفعلُ ذلك؟ إن حركية الزمن هي التي تتساءل ككل موحَّدٍ بعين التاريخ والذات. فعندما يطفو السؤال على السطح يكون قد استأصل جذوره وغَدا مُضمرا لأكثرِ الأسئلة عمقاً، وبهذه اللعبة يتحول دائماً إلى حركةٍ وفضاءٍ يقدم فيهما الكلام نفسه ناقصاً غير مكتمل أي مبنياً على النقص والعوز ومحتاجاً إلى ترميمٍ مستمرٍّ وملءٍ لفراغاته المستمرة. فعن طريق السؤال يصعد الكائن بذاته ويمنحها الشيء كما يمنحها الفراغ الذي يُمكنها من أن لا تتملكه أو أن لا تتملكه إلا كرغبة.
فالسؤال إذن هو رغبة الفكر وهو الجواب عن شقاء السؤال.
والوجود الذي "يوضع موضع سؤال" هو وجود مضاء بقوة السؤال التي تعلو به نحو الصدارة، فيظهر عن طريقها بعد اختفاءٍ وتحجب، ولكنه ظهور مهدد بالاختفاء نتيجة لعبة السؤال. ولذلك فإن السؤال عن لغة العمق العاطل للكائن هو رغبة الفكر المتحرِّك، والحركة التي يغير فيها الوجود مجراه، فيظهر كإمكانية مرهونة بدورة الزمان.
وقطعا؛ فإن السؤال لا يجد تتمته واستمراره في الجواب المنبثق عنه، بل على العكس من ذلك ينتهي وينغلق بفضل الجواب، ليقيم نوعاً من العلاقة التي تتميز بالانفتاح والحركة الحرة. فهو يتوخى من الجواب ما هو غريب عنه، كما يتوخى منه كذلك أن يظل قائماً فيه كحركةٍ لا تتوقف ولا تخلدُ إلى الراحة(7)، لأنها منذورةٌ لتبصير الكائن بالطريق الذي ضَلَّ عنه فضاعت منه ذاته.

3- طريقان لطريق واحد
والكائن على صعيد الآدمية له ماهيتان متلاحمتان ومتناغمتان لا يكون إلا بهما، ولا يفعل في الوجود إلا عن طريقهما:
أولاهـما: ماهية فيزيقية مادية متحيزة الأبعاد.
وثانيتُهما: ماهية ميتافيزيقية صوفية شعرية، مفتوحة على اللانهائي، مسكونة بالمجهول، تواقة للامألوف.
وبهاتين الماهيتين يتم كمال الكائن، وتتحقق إنسانيته، وتبرز اختلافاته الممكنة والخلاقة. ولا يمكن إدراك مساراته الوجودية إلا بإدراك هاتين الماهيتين في شموليتهما، ودون عزل الواحدة عن الأخرى. ففهمُ الكائن هو فهمٌ للغة اللامحدود فيه، وكل نسيان أو تعطيل لهذه اللغة يعدُّ نسياناً وتعطيلاً لعمقه.
فلغة اللامحدود هي لغة العمق التي تحاول الشوملة تعطيلها في الكائن، وتحاول الصوفية الشعرية تَسْييدَها من أجل إنقاذه وإنقاذ العالم معها من غياهب الفظاعات. فالصوفية الشعرية تلتقط كونيةَ الوقائع بمعزلٍ عن أسبابها وعللها، وباستقلالٍ تامٍّ عن مذاهبها ونِحلها ومُعتقداتها التي تنتمي إليها، على نحوٍ من الحدس Intuition عالٍ، ثم تصهرها في مضمار تجربتها القُصوى، لتُخرجها بعد ذلك لغةً بكراً ذات تلوينات وتنويعات ترى فيها كلُّ اللغات نفسها وتعدُّدِيَّةَ تجلياتها. وهذه الوحدة في التعدد هي التي كان ابن عربي قد نذر لها صوفيَّتَهُ الشعرية، وجلاَّها على نحو صريح في هذه الأبيات الذائعة الصيت: 
لَقَدْ صَارَ قَلْبِي قَابِلاً كُلَّ صُـورَة
                              فَمَرْعًى لِغِزْلاَنٍ وَدَيْرًا لِرُهْبَـانِ
وبَيْتًا لأصْـنَامٍ وَكَعْبَـةَ طَائِـفٍ
                              وَأَلْوَاحَ تَوْرَاةٍ وَمُصْحَفَ قُـرْآنِ
أَدِينُ بِدِينِ الْحُبِّ أَنَّـى تَوَجَّـهَتْ
                              رَكَائِبُهُ، فَالْحُبُّ دِينِي وَإِيمَـانِي

إنها لغةُ وحدة العمق الحاملة لجمالية التعدد وجوهرية الكلمة وكونيتها لدى الكائن الكامل، لا تلتبس ولا تغدو محصورة أو مضللةً، ولا مستنفدة. فيها تتجلى رؤيا الألوهة أقوى ما يكون التجلي متعدِّدَةً في التوحد، فضاؤها التسامح والإدراك وليس التنابذ والانغلاق، لأن الألوهيةَ فيها هي ألوهية تَجَلٍّ جمالي على الكائنات، لا ألوهية طقوس ورسومات. وكل كائن له الحق في تصورها بمقدار ما تلقاه من تجلٍّ، وما دام منبع التجليات واحدا فإن إقصاء تجلٍّ من طرف تجل آخر هو محض افتراءٍ على الألوهية التي لا حدود لتجلياتها، "فإلهنا وإله اليهود والنصارى والصائبة وجميع الفِرق واحد، كما أخبر تعالى. إلا أن تجليه لنا غير تجليه في نزوله إلى النصارى، غير تجليه في نزوله إلى اليهود، غير تجليه لكل فرقة على حدتها. بل تجليه في تَنَزُّلِهِ للأمَّة المحمدية متباينٌ ومتخالفٌ، ولذلك تعددت الفرق فيها إلى ثلاثٍ وسبعين فرقة، وفي نفس هذه الفرق فِرق بينها تباين وتخالفٌ. وما ذلك إلا لتنوع التجلي بحسب المُتجَلَّى له واستعداده، فتجلِّيهِ تعالى واحدٌ في كل تنوع وظهور ما تغير من الأزل إلى الأبد (....) فليس في العالم جاحدٌ للإله مطلقاً من طبائعيٍّ ودهريٍّ وغيرهما، وإن فهمت عباراته غير هذا فإنما لسوء التعبير، فالكفرُ في العالم كلُّهُ إذًا نِسْبِيٌّ، ولا أحدَ من عباد الله يعرفه في كافة تجلياته، ولا أحد منهم يجهله في كافة صفاته" (8) .
إن الصوفية الشعرية؛ باعتبارها لغةَ العمق العاطل للكائن؛ تَبْلُغُ فيها رؤيا الألوهية مداها حيث تتعالى على مختلف المعتقدات والمذاهب التي تُدعمها الدياناتُ، فالكلمة التي تتجلى من خلالها واحدة في اختلافها اللامنتهي، حتى ولوْ رشَحَتْ منها الحيرةُ القصوى، فتلك الحيرة ما هي إلا نتيجة تعدد التجلي وتنوعه، وسرعة تلاشيه، وغزارة التألقات الإلهية فيه.. ومن ثمة يكون حقلُ هذه اللغة حقلَ شساعات وانفلاتات، وحقلَ هشاشة وتقلبات، الكلمة فيه ألف ضوءٍ وضوءٍ حين تنغزل شعرًا بوجدانٍ صوفي.
فالشعر تجربة سالكة طريق الحدسِ  والتصوفُ كذلك تجربة سالكة طريق الحدس
وهاتان التجربتان تلتقيان في طريق واحدٍ هو جَوْهَرِيَّةُ الكلمة،وفي الاشتغال الجذري عليها بوعيٍ مخصوصٍ يجعل التعبير مُرتقيا إلى بصيرةٍ تتجاوز الطبيعةَ، كما يجعل نعمة الكلمة لديهما واحدةً لا تدوم أكثر من لحظة عابرة.. كلمة تخترق الشاعر والصوفيَّ وتنيرهما، مرجعةً إياهما إلى قُحُولتهما، ضئيلين، سريعيِ الزوال، شديدي الظمأ إليها. إذ لا شِبَعَ ممكناً في جوهرية الكلمة، ولا امتلاء يقينيا منها، فالإقصاءُ والشعور بالهجر هما الوجه الآخر لذلك النور الهارب، وهما نعمةُ وعقابُ من لمح المجهول بعين الخيال، وأراد بسطهْ للكائن المُخدَّرِ البال(9).
فالتجربتان إذن هما طريقان لطريق واحد هو الكائن الكاملُ في كونٍ كاملٍ، فهذا الكائن حين تخترقه الكلمةُ مثل جسم شفافٍ لا يسعهُ إلا أن يوليَ وجهَه بالضرورة شطر الكون الكامل، وليس شطر وجْهِهِ المادي، بمعنى أنه يُولِّي وجهَه للفضاء اللامادي الذي يعمل عملهُ في الذوق والحدس والخيال كأقانيم إنسانية ما تنفكُّ تهجسُ بقيم الجمال.
تلك هي ماهية لغةِ العمقِ العاطل التي تضطلع بها الصوفية الشعرية بوصفها تعبيراً عن الكائن الذي لم يُبْتَرْ وجدانه، ولم يُختصر إلى مكون واحد من مكوناته العديدة. إنها قولٌ يمثل نوره الكون بما يحتويه من عالمٍ متخيل طليق، يستطيع الكائنُ بفضله الإفلاتَ من التشيُّؤِ، والنجاةَ من وضعه المقرر سلفاً كزَبُونٍ لِما يُسَمَّى متجر الشوملة الكوني.
وإذن؛ فطريق الصوفية الشعرية هو وحده الكفيل بتخليص الكائن من الشقاء، وإيصاله إلى لغة العمق الرابطة بينه وبين الكون، والتي طالماً افتقدها في سطوعه الماديِّ والتقنيِّ. إنه طريق يفضي به إلى باطنية النور التي تفضح مادية العالم الخارجي وشراسته وانطماسَ بعده الروحي، ويوقفه على تاريخ آخر مُغاير لمعنى التاريخ، وصادرٍ عن لغةٍ مشدودة إلى جوهر الماهية الإنسانية الكاملة التي يتجلى فيها الكون كلمة ضاجة بالأسرار، محلقة كطيور العطار بَحثا عن "السيمرغ"، ولكنها وبعد عناء البحث لم تجده إلا في نفسها، إذ هو غير منفصل عنه(10).
فالإحساس بالقوة الروحية المسيطرة على الكون والكوائن هو إحساس وجداني حدسي له اتصال مباشر بجوهرية الكلمة التي تتولد منها الصوفية الشعرية في كل لحظة بوجه جديد، حاملةً للكائن حصة اللامألوف التي تتأبَّى على التعريف، لأن التعريف الواضحَ يقتل، يغتال، وهذه الحصة لا يجليها إلا الشاعر المتقد بكلمات بانيات مضمار تقاطُعٍ ولقاء محدَّداً وواضحاً، بحيث يستحيل اختزاله في شكل ترسيمات منظمةٍ للزمن والفضاء، لكونه مجرةً شعرية تتجاهلُ أنسابها السرية الإحداثيات الفضائية الزمنية، ولكونه نابعاُ من ضرورة ملازمة لا تستثني فرادتها التوافق في جذرية الكلمة وفي جوهرية التجربة (11).

4- التحرر من أغلال الأنا
وجوهرية التجربة لا تستند إلى المسبق ولا إلى الموروث من الفكر والعوائد، وإنما إلى تمثلات روحها للكون، وإصغائها للغات أعماقه قصد استيلاد سرها. ولذلك تُعتبر خطوة انتقادية مثلها مثل روح الزن  zen، فهي تسخر من الأحكام المسبقة، ومن الأنانية ومركزية الذات، ومن كل ما يُقَوْلِبُ الكائن أو يُنَمِّطُهُ، فنور كلماتها هو الذي يطهر الأنا Ego من صغائره، ويحرره من أغلاله.
رَمَيْتُ هَذَا اُلشَّيْءَ اُلصَّغِيرَ جِدًّا اُلَّذِي يُسَمُّونَهُ "أَنَا" وَأَصْبَحْتُ اُلْعَالَمَ اُلْفَسِيحْ(12).
فشقاء الناس –كما يؤكد هيراقْلِيطْسْ- يأتي من أنهم لا يعيشون في العالم، بل في عالمهم. ولا يغسلهم منه إلا جوهرية الكلمة الفائز نورها من الصوفية الشعرية كموجةٍ عارية منادية إلى الجوهر، وإلى رحابة المطلق وجماليته اللامحدودة. فالمنتهي هو اللامنتهي، واللامنتهي هو المنتهي، والحاضرُ هو نقطة ارتكاز الأزل.
وأمام هذا كله يبقى الكائن مجرد نقطة ماء في محيط الكون، ولكن هل تعرف نقطة الماء هاته أن المحيط فيها؟ وهل تعي روابطها بالكون؟. 
وتَزْعُمُ أَنَّكَ جِرْمٌ صَغِيرٌ
                              وَفِيكَ اُنْطَوَى اُلْعالَمُ اُلأَكْبَرُ

فحياتنا الصغيرة تنصهر في الحياة الكبيرة، فهي نحن ونحن هي... ولكن يبقى الإشكال في اختيار طريق الانصهار الأمثل درءاً للشقاء. والصوفية الشعرية وحدها؛ بوصفها لغة العمق العاطل، هي التي تفتح للكائن ذلك الطريق المؤدي إلى السكينة الداخلية، وإلى التناغم مع الكون، والإصغاء إلى موسيقى معناه التي هي بألف نغمة ونغمة، كل نغمة فيها تتوافق مع المتخيل والحدس والوجدان، وتكشف ما وراء المعنى الكلي، وتأخذ المتماهيَ معها إلى قلب الأشياء وإلى الينابيع الخفية للحقيقة.
إن طريق الصوفية الشعرية طريقٌ للجوهر، ولا يُفَسِّرُ وإنما يوحي بالحقيقة التي وراء الظاهر، فهو طريق سِرٍّ ما أن يسلكه الكائن حتى تنكشف له البواطن، ويشرق في دواخله الوجود الذي كان معطلا فيها بمادية الظاهر.
فهو قبل كل شيء طريق مذاق وتذوق Goût، لا طريق أُطُرٍ بُرهانية وتحديدات منطقية.

5- الولوج إلى جوهر الأشياء
إن الصوفية الشعرية حفر في لغة العمق العاطل، ومجرىً للتأمل؛ غرضها استنارة الروح من أجل تحقيق الذات عبر الحياة اليومية وضبط النفس، والولوجُ إلى جوهر الأشياء بالحدس لا بالعقل. ومن ثم معرفة الحقيقة الأزلية. ورغم أن الحقيقة أو الواقع واحدٌ، إلا أنه يمكن معرفةُ هذا الواحد بآلاف الآلاف من تجلياته(13)، وبذلك يرتفع الكائن إلى مقام الكمال فيرى الكون والكائنات امتدادا له ونَفَساً جمالياً لا تشوه فيه ولا نقصان، فيحضنه بفرح واطمئنان وكأنه يحضن ياقوتة الحقيقة.
بهذا الفهم تؤسس الصوفية الشعرية الحرية الكاملة، وتجعل الحاضر أحد أسرارها الذي يتحد فيه المرئي واللامرئي، النسبيُّ والمطلق، ما يمضي وما يبقى. فهي تغوص بالكائن فيما وراء عالم المتناقضات الذي قِوامه التميز الذهنيُّ، دون أن تربطه بأي شكل من أشكال الطقوس والمعتقدات والقوانين واللغات التي تقص جوهره وتطمس عمقه، متوخية من ذلك تحريره ودعوته إلى مزيد من الصدق والحقيقة، وإلى عدم التمترس في خنادق الدُّوغْمَاطِيقِيَّات Dogmatismes، وإلى تجنب التصلب في طقوس بلا حياة.
إنها سراج مرفوع في بهيم الوجود.
"وما من أحد يوقٍدُ سراجًا ويغطِّيهِ بوعاءٍ، أو يضعه تحت سريره، بل يضعه في مكان مرتفع ليستنير به الداخلون"(14).  فتعم الألفة والبساطة والتجرد وروح الاعتدالِ والتواضعِ والتسامح والرحمةِ والمحبةِ والتوازنِ والصفاء.
تلك هي الصوفية الشعرية. نور يضيء ويحوِّلُ، ويغتبط بالواقع الحقيقي المتكلم لغةَ عمق الكائن، لا لغةَ قِشرته الوجودية.

الهوامش:-
1- موريس بلانشو : أسئلة الكتابة، تر: نعيمة بنعبد العالي وعبد السلام بنعبد العالي، ط 1، (سلسلة المعرفة الفلسفية)، دار توبقال، الدار البيضاء  2004م، ص : 41.
2- المرجع السابق، ص : 36.
3- خوان غويتيصولو: علامات هوية، تقديم وترجمة: إبراهيم الخطيب، ط1 ، وزارة الثقافة، الرباط 2005 م، ص: 43.
4- المرجع السابق، ص: 127.
5- نفسه، ص: 128.
6- نفسه، ص ص: 129-130.
7- موريس بلانشو، مرجع مذكور، ص ص: 12-13.
8- الأمير عبد القادر الجزائري: كتاب المواقف، نقلا عن خوان غويتيصولو في كتابه علامات هوية، ص: 110.
9- خوان غويتيصولو : علامات هوية، ص: 111
10- المرجع السابق، ص ص :112-113
11- نفسه، ص: 107
12- هنري برونيل : Henri Brunel أجمل حكايات الزن يتبعها فن الهايكو، Le plus Beaux contes Zen suivis de l art des haïkus تر: محمد الدنيا، ومراجعة: محمود رزقي، سلسلة (إبداعات عالمية)، العدد 335، ط1، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، أبريل 2005م، ص:24 – والأبيات من شعر الهايكو للشاعر سوسيكي Soseki من القرن19 .
13- هنري برونيل، المرجع السابق، ص: 10. 14- إنجيل لوقا 8/16.

المصدر : موقع جماليا
http://www.jamaliya.com/new/show.php?sub=1233
الرجوع الى بداية الصفحة     نسخة للطباعة

أضف تعليقا
الاسم
البلد
البريد الالكتروني
التعليق
اكتب الارقام الظاهرة في الصورة