الرئيسية     نداء الى العالم     مختارات مترجمة    الارشيف     اتصل بنا
نحو فلسفة أخلاقية للاختلاف

محمود الباتع

منذ أن هجر الإنسان الأول كهفه البائس إلى الغابة الأشد بؤساً وانخرط في مجاهل الطبيعة بكل قسوتها وجبروتها في سبيل تأمين الرزق والبحث عن أسباب الحياة التي كتبت عليه خطاها، لم يتوقف البشر عن استنباط وابتكار الأفكار والمبادئ التي اعتقدوا ان من شأنها تنظيم وإدارة الشؤون المعيشية للقطعان البشرية التي كرمها الله على سائر القطعان الأخرى بما أفاء عليها من ملكة التفكير والعقل الذي مكنها بدوره حتى اليوم على الأقل من أن تسود هذه الأرض وما عليها. 
شاءت الإرادة الربانية لحكمة يعرفها من يعرف ويجهلها من يجهل ان يتفاوت أفراد البشر في أرزاقهم، وكذلك في عقولهم وفي الوقت الذي لم يرض أي من بني الإنسان برزقه المقدر عليه وأمضى عمره ساعياً وراء إثرائه وإنمائه، فإن كل فرد منهم لم يكن ليعجبه من بين العقول إلا عقله الذي أخذه وطار به فرحاً واختيالاً، ولا يخفى على اللبيب ان اختلاف العقول والأرزاق طالما قاد البشر إلى اختلاف المناظير والمفاهيم وطرق التفكير التي انبثقت عن تلك الفروقات الفردية بين الناس إلى المزيد من التباينات والتمايزات الثقافية والاجتماعية بين التجمعات والكتل الإنسانية، ومع تشابك المصالح وتداخلها كان لابد للمفاهيم والمعتقدات المختلفة ان يحتك كل منها بالآخر ليكتسب بعضها من بعض شيئا من السمات واللوازم التي سرعان ما تذوب في جملته الثقافية لتصبح إحدى مكوناتها الأساسية. 
من الطبيعي الاختلاف، فإذا كانت القضية واحدة وكانت العقول تتوزع بالتساوي بين البشر فإن ما يختلف بينها هو طريقة تناول كل منها لتلك القضية، ولربما كان هذا حكمة من الله الذي لو أراد لجعلنا أمة واحدة، ولكنه شاء أن يجعل من بني آدم شعوباً وقبائل ليتعارفوا، ولكن هؤلاء أبوا إلا أن يتعاركوا في أقدم وأكبر وأخطر ظاهرة عصيان بشري على وجه الأرض أصبحت الآن، وفي ظل تغعول التقنيات الحربية وما أفاءته العولمة من انكماش للمسافات بين الحضارات من أشد ما يهدد الوجود البشري برمته. نعم فإن التعارك والاقتتال بين الشعوب والأمم هو معصية لله كما نفهم من سياق التنزيل الإلهي. 
بالعودة إلى المفهوم القرآني لتعارف الأمم في ما بينها فإن ما يدعو إليه من حين لآخر عقلاء الإنسانية من فضيلة التسامح وقيمة الحوار إن كان بين الأديان أو بين الثقافات أو حتى بين الممارسات السياسية إنما هو عودة إلى الأصولية الإنسانية التي وجد فيها المتطرفون من مختلف التيارات الفكرية والثقافية والدينية عدواً طبيعياً لها لأن من شأنها ان تسحب منهم امتيازاتهم الثقافية التي حصلوا عليها باسم المحافظة والتعصب لبعض القيم التي يقدمون أنفسهم كأنهم دون غيرهم وكلاء حصريون عنها وأوصياء لا منازع لهم عليها، يتساوون جميعاً في قيمة التعصب سواء كان دينياً أو دنيوياً أو غيره، الأمر الذي يوجد التباساً في الوعي الإنساني حول علاقة كل فرد أو مجتمع بالآخر الثقافي أو الاجتماعي أو الديني تتلاقى مع سوء الفهم المتبادل الذي سيقود حتما إلى سوء الظن وما يتبعه من توجس وسوء نية متبادلين سيصلان بنا في نهاية المطاف إلى مرحلة الصدام الحتمي لا محالة. 
من هنا كان لابد من ايجاد منظومة فلسفية أخلاقية تعنى بفكر الاختلاف الذي يجسد ثقافة تطرح ذاتها من خلال العلاقة المتبادلة بين الأنا والآخر الأمر الذي يقتضي بالضرورة تحديد ماهية هذا الأنا أولاً وتحديد هويته قبل أن يعمد هذا الأنا إلى سبر أغوار الآخر والبدء في إقامة حوار معه، وليس من بديل في سبيل ذلك عن منهج توسيع قاعدة التلاقي بين أفراد وفئات المجتمع بمختلف مشاربهم وعقائدهم وتياراتهم التي لابد ان يجمع بينها الحد للأدنى من القيم الاجتماعية المجردة القائمة على أسس العقد الاجتماعي لكل مجتمع على حدة، والوقوف على قاعدة متماسكة من المشاركة والانتماء الوطني المشترك الذي لن يعدم الناس بتوجس وحذر بعد تحديد ملامح هذا الآخر ومقدار واتجاه المسافة التي تفصلنا عنه وليس ذلك إلا في سبيل استقرار وسلام وازدهار العنصر البشري الذي وفي ظني المتواضع لم تأت له الحروب والصدامات إلا بالمآسي والنكبات والكثير من الأحزان التي لم يكن مجيؤه إلى هذه الدنيا من أجلها ولا من أجل الشقاء الذي جلبته إليه. 
الحق أن مسألة تحديد الأنا أصبحت قضية كبرى في كثير من البلدان العربية فبعد ان درجنا في الماضي على الاكتفاء بوصف «عربي» أو «مسلم» لتحديد هوية شخص أو مجموعة ما أصبح هذا الوصف بمثابة أحجية يلزم حلها الكثير من الملحقات التفسيرية، فصفة العربي تقتضي تحديد من أي بلد أو دولة هو، وتحديد البلد يقود إلى ضرورة تحديد المدينة التي تحدد له قوميته أو دينه، ومعرفة الدين تقود إلى معرفة الطائفة أو المذهب، وهكذا لتصبح الهوية الفردية تحتاج في شرحها إلى مذكرة، أما إذا أنعم الله عليه بالانتماء إلى بلد يضمحل فيه التعدد العرقي والمذهبي والطائفي فإن التعدد الثقافي الاجتماعي شبح مسبق الصنع يطل برأسه من بطاقة الهوية فهو بحسب المنطقة أو الحرفة التي يمتهنها أو العائلة التي ينحدر منها، وهكذا تمضي بنا الأمور إلى مزيد من التقزيم للذات من حيث نريد ان نضخمها والخاسر بل المفلس الأكبر في هذه الحالة هو هويتنا التي سنضطر لاحقاً إلى أن نبحث عنها من جديد. 
إن محاولات الفئات المختلفة في البلاد العربية سحب هويتها وثقافتها التي تتوهم أنها الوجه الأصيل لذلك البلد على الفئات المغايرة أدت كما رأينا إلى كل هذه النزاعات الدامية سواء كان الأمر متعلقاً بالعراق أو بلبنان أو بفلسطين فجميعها تعاني من المرض ذاته وان اختلفت الأعراض عن بعضها قليلاً، لكنها تتفق على بؤس الحال ومرارة النزف المتوقع لها طول البقاء طالما تملك ضيق الأفق وقصر النظر وعدم إقامة مفهوم مشترك للمواطنة والانتماء الوطني لدى جميع الأطراف التي نراها تتغنى مع كل إشراقة بالوحدة الوطنية بينما ممارساتها وأخلاقياتها العملية تدل على نفسها بدون دليل حيث لا رائحة فيها لا للوحدة ولا الوطنية. 
من المؤسف والمعيب ان مرض الاختزالية والتقوقع على الذات قد استحوذ على ثقافتنا الاجتماعية التي أصبحت من التخلف بحيث صار الواحد منا يختزل الوطن في ذاته وأصبح كل من يختلف مع شخصه الكريم عدواً يستهدف ويهدد هذا الوطن وانتقى كل معنى للمواطنة خارج حدود الحي أو القرية أو الحزب أو حتى العائلة، فانتقى بالتالي الآخر الداخلي الذي من المفترض ان نقيم معه الشراكة المنشودة بهدف إقامة الوطن المتشرك، فكيف بالآخر الخارجي الذي ندعوه لإقامة حوار معنا في الوقت الذي يصيبنا الصداع لمجرد سماع صدى أصواتنا يأتي من آخرنا القابع في داخلنا. مأزق اجتماعي وثقافي من شأنه أن يؤدي بالشخصية الاعتبارية والهوية الوطنية والثقافية لبلادنا ولمجتمعاتنا بكافة اختلافاتها وتنوعها. 
مع افتراض حسن النوايا لدى الجميع «وهو أمر موضع شك» فإن أحادية النظرة تؤدي إلى رؤية الأشياء بلون واحد يزدان بالصفاء والنقاء كما انها ترى الذات في أحسن تقويم لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وتؤدي بصاحبها إلى أحادية الفهم وأحادية التأويل وبالتالي الرفض المطلق لكل ما يغاير هذه الرؤية التي يعمل أصحابها على فرضها قسراً على الآخرين ولو كان ذلك بالقوة وإلا فالإقصاء والنفي والتهميش بالمرصاد. 
إن من شأن قيام المنظومة الأخلاقية لثقافة الاختلاف التي نطمح إليها أن ترسي وترسخ منطق التعددية التي نحلم بها كما من شأنها ان تلغي كثيراً من الثقوب السوداء التي احتلت صدارة في مشهدنا الاجتماعي وان تجعل من الاختلاف حقاً مصدراً للإثراء كما يقولون لنا في الإعلام لا مصدراً للتمزق كما نراه واقعاً، وحتى ذلك الحين، تقبلوا مودتي.
المصدر : موقع الحوار المتمدن.
http://www.rezgar.com/debat/show.art.asp?aid=101213
الرجوع الى بداية الصفحة     نسخة للطباعة
الاسم: ابو جنيد      البلد: العراق       التاريخ: 17-07-2007
بسم الله الرحمن الرحيم(اللهم صل على سيدنا محمد الوصف والوحي والرساله والحكمه وعلى اله وصحبه وسلم تسليما)ان الآختلاف سمه من سمات النفس البشرية. وان الاختلاف قد يكون في الرغبة والميول الاجتماعية. وقد يكون في التوجه والمبدأ والعقيدة والدين. وقد يكون في نوع العمل والافكار.وان هذا الاختلاف يولد حاله تكامليه للحفاظ على بقاء الجنس البشري على وجه البسيطة. لانه لايمكن ان يكون الجميع شكل ولون وعمل وتوجه واحد. لان هذا يؤدي الى حدوث ارباك في الحياة الاجتماعيه وبالتالي يؤدي الى القظاء عليها. ولكن شاءت القدرة الالهية ان يكون الاختلاف البشري في امور الحياة سبب لديموميتها واستمرارها من خلال الحفاظ على اسباب بقائها.فلا يمكن ان يكون جميع الناس فلاحين او نجارين او اطباء او مهندسين..الخ .لان هذا يؤدي الى تعطل كثير من جوانب الحياة. وبالتالي عدم استمراريتها.ولكن شاءت القدرة ان تكون رغبات الناس وتوجهاتهم مختلفه لغرض التكامل واستمرار اسباب العيش ومن ثم الحياة.وهذ يشمل كافه جوانب الحياة الاخرى وبنفس المقياس. ومنها الجانب الديني والمذهبي البناء. لان لكل منهم قاعدته واتباعه المؤمنين والمعتقدين به. وعليه لاتوجد امكانيه لتغيير عقائد الناس بالقوة . ون سمة الاختلاف اذا استثمرت استثمار بناء من خلال الحوار والراي والراي الاخر .تؤدي الى اثراء واغناء القيم المعرفية للمجتمع. وتقديم الصالح منها لدى كل الاطراف للنفع القيمي والاخلاقي البناء للمجتع.وهذا يؤدي الى حالة تكاملية في المجتمع. وامتداد للقيم الاخلاقية والانسانية.قال الرسول الكريم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم( انما بعثت لاتمم مكارم الاخلاق)


أضف تعليقا
الاسم
البلد
البريد الالكتروني
التعليق
اكتب الارقام الظاهرة في الصورة