الرئيسية     نداء الى العالم     مختارات مترجمة    الارشيف     اتصل بنا
عالم قريش يملا طباق الارض علما ( الامام الشافعي )

  في اعلى تلك الافاق المتوهجة يسطع نور من الحضرة المحمدية ليضيء لاهل الحنيفية سبل الوصل الى الله تعالى فيسري شعاعه الدفاق ليغمر الارض بالنور , وهو نور لا يرى الا باعين القلوب . فيصل هذا النور الارض بالسماء ويحيل ظلمتها الى ضياء , ولا عجب فهذا القبس المحمدي هو من صدق فيه حديث  سيد الخلق صلى الله تعالى عليه و سلم: عالم قريش يملأ الارض علما انه الامام الاعظم والعارف الافهم بحر الشريعة وقطب الحقيقة ,مفخرة الاسلام , واحد اركان الشريعة الاربعة العظام , سيدنا ومولانا وامامنا وقدوتنا الى الله تعالى الامام ابو عبد الله محمد بن ادريس الشافعي المطلبي قدس الله سره, واعلى  في عليين قدره ,ورفع في العالمين ذكره , ورضي الله عنه وعنا به ,وأمدنا بمدده الاعلى ما يلحقنا به ويحقق لنا معيته اتلمباركة ومحسوبيته المشرقة في الدنيا وابد الابدين .
 اطل هذا النور المحمدي على  الوجود سنة خمسين ومائة للهجرة الشيفة , في نفس العام الذي لحق فيه بربه مولانا الامام ابو حنيفة النعمان وعنا به , اذا شاءت العناية الالهية الا تغيب في سماء هذه الامة شمس محمدية حتى تبزغ اخرى ليتواصل النور ويظل صرح الدين مرتفعا على هامات سدنته وحفاظه ,وهذه الشمس – او هذا الامام الذي قيضه الله لحفظ دينه  وشريعته مصطفاه صلى الله تعالى عليه و سلم هو ابن عم الرسول الاعظم اذ يلتقي معه في عبد مناف وهو الجد الثالث لسيدنا رسول الله صلى الله تعالى عليه و سلم ,والجد التاسع لمولانا الامام الشافعي فقد اورد البيهقي ( في مناقب الشافعي ) بسنده عن ابي عبد الله البوشنجي نسب الامام الشافعي شعرا :
هو الشافعي الهاشمي محمد
                              ووالده ادريس حمال فادح
وعباس ينميه ابو الادب رتبة
                              ومن بعده عثمان عون المنادح
الى شافع بن السائببن عبيدها
                              بنى الغر والشم الانوف الجحاجح
وعبد يزيد بعده ثم هاشم
                              نماه لاعرق كرام المناكح
وطلب من بعده هاشم قد نما
                              لعبد مناف سر نصح المناجع

وقد كان الامام الشافعي لانتمائه في النسب للمطلب بن عبد مناف – يلقب بالمطلبي- وقد حقق العلماء انتسابه الى سيدنا هاشم بن عبد مناف جد أبي سيدنا رسول الله صلى الله تعالى عليه و سلم فقد ذكر البيهقي نقلا عن كتاب ابي يحيى الساجي بسنده الى النسابة , أحمد بن محمد العدوي أنه قال – بعد أن ساق نسب الشافعي على النحو السالف : - ( وقد ولده هاشم بن عبد مناف ثلاث مرات :
 أم السائب : الشفاء بنت الارقم بن هاشم بن عبد مناف – أسر السائب يوم بدر كافراوكان يشبه النبي صلى الله تعالى عليه و سلم واما الشفاء بنت الارقم خالدة بنت اسد بن هاشم بن عبد مناف , وام يزيد :الشفاء بنت هاشم بن عبد مناف ابن قصي .... ) أ.ه.
والى جانب ثبوت مطلبيته ثم هاشميته من جهة الاب يثبت العلماء هاشميته وشرف نسبه كذلك من جهة الام فيذكر البيهقي ان يونس بن عبد الاعلى كان يقول ( لا اعلم هاشميا ولدته هاشمية الا علي بن ابي طالب ثم الشافعي , فأما علي : فاطمة بنت اسد بن هاشم , وجده الشافعي الشفاء بنت اسد بن الحسن ,وام الشافعي : فاطمة بنت عبيد الله بن الحسن بن الحسين بن علي بن ابي طالب ...) وقد رجح البيهقي – بروايات اخرى – إن أم الشافعي تنتمي نسبا الى قبيلة الازد ,وهي قبيلة لها فضل في الاسلام فقد قال فيها مولانا رسول الله صلى الله تعالى عليه و سلم : نعم  الحي الازد والاشعريون , لا يفرون في القتال ولا يفلون .هم مني وانا منهم  .
 وقد رجح الامام السبكي في طبقات الشافعية هاشمية أم الامام , وذلك بناء على روايات ثابتة ايضا وادلة في غاية القوة .
واذن : فأم إمامنا هاشمية من آل البيت النبي صلى الله تعالى عليه و سلم و وعنا بهم اجمعين في الدنيا والاخرة – فهو كما قال الفرزدق صادقا :
من معشر حبهم دين وبغضهم
                                كفر وقربهم منجي ومعتصم

ولا يخفى بحال ما لهذا  الاصل العريق والمعتد الشريف من اثر في امامنا الشافعي فلقريش منزلة سامقة في الفضل واي منزلة !!! فبحسبها ان سيدنا رسول الله صلى الله تعالى عليه و سلم قال عنها : لا تسبوا قريشا  فان عالمها يمد طباق الارض عما , اللهم أذقت أولها نكالا فاذق أخرها نوالا  وقال صلى الله تعالى عليه و سلم الائمة من قريش .
 وناهيك بما لوشائج القربى للامام مع سيد الخلق صلى الله تعالى عليه و سلم من نورانية غمرته وغذته برحيقها المحمدي ! 
 ونعود بعد التحليق في هذا الافق المحمدي القرشي الى تتبع هذا النور الزاحف بأشراقه في منتصف القرن الثاني للهجرة لنحقق البقعة التي ظفرت بمشرقه .
فنجد روايات متعددة تنص على جهة مولده ونشأته .  منها ما رواه البيهقي بسنده عن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم يقول: سمعت الشافعي يقول : ( ولدت بغزة وحملتني امي الى عسقلان ) ,وبجانب ذلك نجد روايات  اخرى بعضها يفيد انه ولد باليمن والاخر ينص على ولادته بعسقلان التي تقع من غزة على ستة اميال كما ذكر البيهقي , والراجح المحقق انه ولد بغزة ,وقد حقق ذلك البيهقي وقال : ( والذي يدل عليه سائر الروايات من ولادته بغزة ثم حمله منها الى عسقلان ثم الى مكة أشهر والله اعلم )  كما أول ما ورد من ولادته باليمن قائلا : ( ويحتمل ان يكون اراد موضعا يسكنه بطون اليمن ,وغزة من ذلك ) .
 وايضا فان عسقلان كلها من قبائل اليمن وبطونها وبها كانت نشاته . 
 ومن ثم لا يلتبس علينا ما يرد من نصوص تفيد ولادته باليمن او بعسقلان ,وننتقل الى النشاة الشريفة فيذكر لنا البيهقي بسنده عن ابن وهب انه قال : ( سمعت الشافعي يقول :ولدت باليمن فخافت أمي على الضيعة فقالت : الحق بأهلك فتكون مثلهم ,فجهزتني الى مكة وانا يومئذ ابن عشر سنين ) وأضاف البيهقي تتمة أخرى لتلك الرواية بسند أخر .... فأني أخاف ان تغلب على نسبك ,فجهزتني الى مكة فقدمتها وأنا يومئذ ابن عشر سنين او شبيه بذلك فصرت الى نسيب فجعلت اطلب العلم – اي مطلق العلم – فيقول لي : لا تشتغل بهذا وأقبل على ما ينفعك فجعلت همتي في هذا العلم فطلبته حتى رزقني الله منه ما رزق ) .
 وفي رواية اخرى بسند البيهقي عن مولانا الشافعي يقول : ( ولدت بعسقلان فلما اتت علي سنتان حملتني امي الى مكة كانت نهمتي في شيئين : الرمي وطلب العلم فنلت من الرمي حتى انه لاصيب من عشرة عشرة وسكت عن العلم فقلت : انت والله في العلم اكثر من ذلك في الرمي )أ.هـ.
 ونلاحظ ان الرواية الاولى تنص على انتقاله الى مكة مع امه وهو ابن عشر بينما تثبت الثانية  انتقاله وهو ابن سنتين ,ويجمع بين الرواتين بانه انتقل مرتين الى مكة ,اولاهما مع امه وهو ابن عامين ,لتأكيدانتمائه الى اهله ونسبته لهم  ,ثم ارتحل وهو ابن عشر لطلب العلم ولتنشئته مع اهله  او توثيق صلته بهم .
وتحدثنا الروايات ان ابا الامام الشافعي قد مات وابنه صغير خارج مكة ,وكان قليل ذات اليد , فنشأ الامام نشأة الاصفياء المكتفين برعاية الله تعالى وولايته , ولله ما أبهى حلة الفقر اذ يتحلى بها الشريف مع يتمه فيتحقق افتقاره لله تعالى وتأسيه بسيد الخلقصلى الله تعالى عليه و سلم وفي هذا الجو النبوي بدأ الامام اولى خطاه على درب العناية وهو في كفالة الله .
 يقول الامام – فيما أسنده اليه البيهقي – ( كنت يتيما في حجر امي فدفعتني الى الكتاب ,ولم يكن عندها ما تعطي المعلم , وكان المعلم قد رضي مني ان اخلفه اذا قام ,فلما جمعت القرآن دخلت المسجد ,فكنت اجالس العلماء وكنت اسمع الحديث والمسالة فاحفظها,فلم يكن عند امي ما تعطيني اشتري به القراطيس , فكنت انظر الى العظم فآخذه فاكتب فيه فاذا امتلا طرحته في جرة فاجتمع عندي حبان – اي جرتان- ) .
 ويقول الامام في رواية اخرى ( كنت انا في الكتاب اسمع المعلم يلقن الصبي  الاية فاحفظها انا , ولقد كان الصبيان يكتبون املاءهم ,فالى ان يفرغ العلم من الاملاء عليهم كنت قد حفظت جميع ما املي , فقال لي ذات يوم ما يحل لي ان اخذ منك شيئا , قال : ثم لما خرجت من الكتاب كنت التقط الخزف والرقوق ,وكرب النخل ,واكتاف الجمال اكتب فيها الحديث واجيء الى الدواوين واستوهب منها الظهور فاكتب فيها حتى كان لامي حبان فملآتهما اكتافا وخزفا وكربا مملوءة حديثا ) .
واتجه امامنا الشافعي في ابتداء امره بعد حفظته لكتاب الله تعالى ومع اخذه في الحديث الشريف الى تعلم اصول العربية  وادابها ,وشعر العرب وتاريخهم ,ولم يقنع بدراسة العربية حيث يقيم بل ارتحل الى البادية ليتلقى اللغة الخالصة من معدنها حيث لم تشبها لكنة غير عربية ,وظل ينهل من معين الخالصة وادابها حتى بلغ في ذلك شأوا عظيما لا يمكننا هنا استقصاؤه وبحسبنا ان نذكر ان الاصمعي – هو  من هو في العربية – قال يوما , صححت أشعار هذيل على فتى من قريش يقال له محمد بن ادريس !!!
 ولكن اللغة  الوسيلة وماكان لإمامنا ان يقف عندها دون الغاية , فمضى الى محيط الشريعة يرتوي منه ليكون البحر الزاخر ,وتحدثنا الروايات المختلفة عن الاسباب المباشرة التي دفعت امامنا للتفرع لدراسة الفقه .
وهي اسباب نعتبرها منبهات مباشرة للشروع في المهمة التي خلق امامنا من اجلها ,فالدوافع الحقيقية كامنة في فطرة الامام بلا ريب , لذلك نجد الروايات التي ذكرت سبب تفقه تتعدد ,ولكنها تتلاقى عند محور الايقاظ  المباشر لانطلاق مواهبه وابراز طاقاته .
 يروي البيهقي بسنده الى الامام الشافعي قال : ( كنت انظر في الشعر فارتقيت عقبة فاذا صوت من خلفي عليك بالفقه !!) .
انه نداء العناية لعالم قريش الذي سيملا طباق الارض علما .
والرواية الثانية :وهي بسند البيهقي ايضا الى الامام الشافعي يقول : ( خرجت اطلب النحو والادب فلقيني مسلم بن خالد فقال : يا فتى ! من اين انت ؟ قلت : من ولد عبد مناف , قال : بخ بخ !! لقد شرفك الله في الدنيا والاخرة الا جعلت فهمك هذا في الفقه فكان احسن بك !!) .
وأكد هنا مرات ومرات ان العناية كانت للامام سابقة على الاكتساب والمواهب متقدمة على الاسباب ,وثمة الدليل : يقول الربيع بن سليمان : سمعت الشافعي يقول : رأيت النبي صلى الله تعالى عليه و سلم فيما يرى النائم , فقال لي : يا غلام , قلت لبيك يا رسول الله !! قال :: ممن انت ؟   فقلت : من رهطك يا رسول الله !! قال : ادن مني , فدنوت منه فاخذ من ريقه ففتحت فمي , فأمر بريقه على لساني وفمي وشفتي وقال : امض بارك الله فيك !! فما أذكر اني لحنت في حديث بعد ذلك ولا شعر ).
واخذ امامنا مفتاح الفتوح من مصدر الفتوحصلى الله تعالى عليه و سلم فانطلقت مواهبه المحمدية وعبقريته الفذة القرشية فاخذ يجمع شتات العلم ويلم بفروع الفقه وروايات الحديث الشريف ختى بلغ مرتقى الائمة وهو لا يزال شابا يافعا حتى قال له مسلم بن خالد الزنجي الذي تفقه عليه بمكة ( أفت يا عبد الله فقد آن لك ان تفتي ,ولكن نهم الامام في طلب العلم كان يملك عليه خاطره ووجدانه , فما ان يسمع بعالم او فقيه حتى يهرع اليه ).
 وكان الامام مالك في ذلك الوقت حديث الدنيا باسرها وامام المسلمين فوقع في قلب مولانا الامام الشافعي قصد ذلك ولكنه لم يذهب اليه وهو في الثالثة عشرة من عمره الا وقد حفظ موطأه عن ظهر قلب  .
  يروي البيهقي بسنده الى الامام انه قال : حفظت الموطأ قبل آن آتي مالك ابن آنس فلما اتيته قال اطلب من يقرأ لك فقلت لا عليك .ان تسكع فراءتي فقرأت عليه ,وفي رواية اخرى  بسند البيهقي الى حرملة يقول :سمعت الشافعي يقول : ( اتيت مالك بن آنس وأنا ابن ثلاث عشرة سنة وكان ابن عم لي والي المدينة ,فكلم لي مالكا فلقيته لاقرأ عليه فقال :اطلب من يقرأ لك فقلت انا اقرأ , قال فقرأت عليه وكان ربما قال لي لشيء قد مر : اعد حديث كذا ,فاعيد حفظا , فكأنه اعجبه ثم سالته عن مسالة فاجابني ثم اخرى ثم اخرى فقال : انت يجب ان تكون قاضيا .) 
 ولزم إمامنا الشافعي الامام مالكا حجة الله في ارضه وامام ائمة عصره الذي تلقى العلم عن اكثر من تسعمائة شيخ وما افتى حتى شهد له سبعون اماما باهليته للفتيا , ووجد الامام مالك في امامنا الشافعي ضالته المنشودة فهو الوارث الذي سيأخذ المسلمون عنه دينهم .
وتحدثنا المصادر انه القى الى امامنا الشافعي المفتاح الامثل للعلم اللدني ممثلا في تلك الوصية التي يرويها البيهقي بسنده عن ابي حاتم الحسن بن احمد الفقيه يقول : قال مالك بن انس الشافعي ( ان الله عز و جل قد القى على قلبك نورا فلا تطفئه بالمعصية ) .
انها التقوى باب كل خير ومفتاح كل فتح , ولقد بشره في اول لقاء بينهما بما ينتظره من فتح واوصاه بالتقوى قائلا : ( اتق الله فانه سيكون لك شأن ) وعض الامام على وصية شيخه بالنواجذ فاثمرت التقوى في قلبه نورا على نور فجاب الافاق بالعلم والنور والهدى والمعرفة , يقول مولانا الامام الشعراني ( ...ثم رحل الى  اليمن حين تولى القضاء بها ,واشتهر بها ثم رحل الى العراق وجد في الاشتغال بالعلم ,وناظر محمد بن الحسن وغيره ونشر علم الحديث واقام مذهب اهله ونصر السنة واستخرج الاحكام منها ورجع كثير من العلماء عن مذاهب كانوا عليه الى  مذهبه , ثم خرج الى مصر اخر سنة تسع وتسعين ومائة وصنف كتبه الجديدة بها ورحل الناس اليه من سائر الاقطار) .
 لقد اجمل الامام الشعراني في تلك السطور ما بعد رحلة مولانا الامام الشافعي الى الامام مالك حتى قدومه مصر قبيل وفاته بخمس سنين اذ توفى بمصر ليلة الجمعة بعد المغرب سنة اربع ومائتين .
 وقد تناولت كتب المناقب المطولة للامام تفصيل تلك الرحلات العلمية واحداثها ,وجهود الامام في تأسيس مذهبه ونشر علمه ومكانته في شتى فروع العلم .
 يقول الامام المناوي وقد اكثر القوم التصتنيف في مناقبه . فمن افرد ذلك بتاليف الامام داود الظاهري والساجن وابن ابي حاتم والابري والحاكم و الاصبهاني والقطان والقراب , والاستاذ ابو منصور البغدادي , والبيهقي والخطيب البغدادي ,والامام الرازي وابن المقري وفندق , وامام الحرمين والدارقطني والاجري والسرخسي والصاحب بن عباد ,ونضر المقدسي والسبكي وخلائق بين متقدم ومتأخر ) .
بلغ الامام الشافعي منزلة في الفقه والحديث حتى لقب ب ( ناصر السنة ) وأسس علم اصول الفقه بوضعه لكتاب الرسالة ,وشذب مذهبه على القرآن الكريم وصحيح السنة فكان يقول ( اذاصح الحديث فهو مذهبي ) واجتمع طلاب العلم والائمة عند بابه , يقول مولانا الشعراني ( قاتل الربيع ابن سليمان : رأيت على باب دار الامام الشافعي سبعمائة راحلة تطلب سماع كتبه  ) .
ولوحاولنا هنا ان ننغمس في الجو العلمي للامام الشافعي وتتبع مناهجه وارائه لرمنا المحال ,ففي كل جانب من جوانبه العلمية لا تفي مجلدات ولكننا نشير فقط الى مكانة الامام وسندعم الاشارة القاصرة ببعض ما شهد به ائمة عصره الشافعي فهذا الامام محمد بن الحسن يقول – فيما رواه صاحب الحلية بسنده –( ان تكلم اصحاب الحديث يوما فبلسان الشافعي – يعني لما وضع كتابه ... ) .
وبسند الامام ابي نعيم ايضا عن احمد بن محمد الشافعي يقول : ( كانت الحلقة في الفتيا بمكة في المسجد الحرام لابن عباس وبعد ابن عباس  لعطاء بن ابي رباح وبعد عطاء لعبد الملك بن عبد العزيز بن جريح وبعد ابن جريح لمسلم بن خالد الزنجي ,وبعد مسلم لسعيد بنسالم القداح ,وبعد سعيد لمحمد بن ادريس الشافعي وهو شاب , ويذكر صاحب الحلية ان الامام احمد بن حنبل قال : ( مارأيت احدا اتبع للاثر من الشافعي ) !!! 
ومرة اخرى قال عنه ( ما سبق احد الشافعي الى كتاب الحديث ) .
وقد بلغ اجلال مولانا الشافعي لاهل الحديث انه قال – فيما رواه ابو نعيم بسنده – ( اذا رايت رجلا من اصحاب الحديث كاني  رايت رجلا من اصحاب النبي صلى الله تعالى عليه و سلم ) .
 وكان امامنا الشافعي مع تمسكه بالاثر قي الدرجة الاولى وصاحب رأي ومناظرة لم يداخلها احدا فيهما .
 يروي البيهقي لسنده عن قتيبة بن سعيد يقول : ( رأيت الشافعي يناظر محمد بن الحسن , فكان محمد بن الحسن في يده كالكرة يديرها كيف شاء ) وكان على علم بالتفسير لا يبارى , وقد أثبت البيهقي في مناقبه عديدا من الاراء التي تشير الى عظم مكانته .
وجماع القول في الامام الشافعي العالم لا نجد فيه خيرا مما قاله من اوتي جومع الكلم صلى الله تعالى عليه و سلم اذ قال  عالم قريش يملا طباق الارض علما  فلقد جدد الله به للامة دينها , يروي الحافظ ابو نعيم بسنده عن حميد بن زنجويه قال سمعت احمد بن حنبل يقول : يروي الحديث عن النبي صلى الله تعالى عليه و سلم قال ان الله يمن على اهل دينه في راس كل مائة سنة برجل من اهل بيتي يبين لهم امر دينهم واني نظرت في سنة مائة فاذا رجل من آل الرسول صلى الله تعالى عليه و سلم عمر بن عبد العزيز ونظرت في المائة الثانية فاذا هو رجل من آل الرسول صلى الله تعالى عليه و سلم محمد بن ادريس الشافعي ).
ولنكتف بهذا القدر من الحديث عن علم الامام الشافعي فمهما قلنا فالتقصير لازم والقصور وافر , ولنتناول صوفية الامام الشافعي علما بان هذا الجانب العلمي بعينه فيه كفاء لمن رام لب التصوف . وذروة الولاية ولكن يأبى البعض الا ان يقرأ عن التصوف بلغة التصوف المالوفة في كتب القوم من حديث عن الجانب التعبدي ,والاحوال والمقامات والاشارات والكرامات .
وفاء ببعض حق الامام في ابراز هذا الجانب بتلك اللغة وحتى لا يقول متعنت كيف يعد الامام الشافعي من اعلام الصوفية وهو امام في الشريعة فحسب ؟ من اجل ذلك أسجل هنا ظاهرة التصوف التي تملا  كيان الامام الشافعي والتي لم تفارق الجانب الظاهري الشرعي .
فلعله من نافلة القول ان الشريعة والحقيقية هي – في بعض ما يطلق عليها من تعبيرات ثمرة شجرة الشريعة , والتصوف هو الوصول الى الحقيقة , وما كان اللامام الشافعي – وهو من ال بيت النبي صلى الله تعالى عليه و سلم الذين هم معدن الطهر والصفاء – أن يكتفي بالشجرة دون الثمرة , بل وما كان لإمام مجتهد كمولانا الامام االشافعي الا ينشد الحقيقة وهو راس مذهب تقلده فيه اقطاب التصوف من امثال سلطان الاولياء احمد البدوي وسيدي ابراهيم الدسوقي والامام الشعراني وعنا بهم اجمعين .
  ولقد ذكر الامام الشعراني في الميزان ان مرتبة الاجتهاد المطلق لا تتحقق لإمام الا اذا صار ينهل من عين الشريعة المحمدية بلا واسطة , اي ان يستمد من سيد الوجود صلى الله تعالى عليه و سلم مباشرة وتلك مرتبة خواص الخواص .
ومع ذلك لنتعرف بالقدر الممكن على الجانب العلمي والتحققي عند امامنا الشافعي (
اما عن عبادته فقد كان من آيات الله في مواصلة الطاعة والعبادة مع مسئولياته العلمية , يقول الامام الشعراني في مناقب الامام من طبقاته ( وكان قد جزأ الليل ثلاثة أجزاء : الثث الاول يكتب والثاني يصلي والثلث ينام , وفي رواية ما كان ينام من الليل الا يسيرا ,  وكان يختم في كل ليلة ختمة ,وكان يقول : ما كذبت قط وما حلفت بالله لا صادقا ولا كاذبا , وما تركت غسل الجمعة قط لا في برد , ولا في سفر ولا في حضر , وما شبعت منذ ست عشرة سنة الا شبعة طرحتها من ساعتي ) .
ويروي البيهقي بسنده عن الربيع بن سليمان يقل : ( خرجت مع محمد بن ادريس الشافعي من الفسطاط الى الاسكندرية مرابطا وكان يصلي الصلوات الخمس في المسجد الجامع ثم يسير الى المحرس فيستقبل البحر بوجهه جالسا يقرأ القرآن في الليل والنهار حتى أحصيت عليه ستين ختمة في شهر رمضان ) !!
وبهذا السند عن الارسوفي قال : سمعت بحر بن نصر يقول : ( ما رأيت ولا سمعت كان في عصر الشافعي اتقى لله ولا اورع من الشافعي ولا احسن صوتا منه بالقرآن ) .
  وعن زهده في الدنيا يقول فيما أسنده اليه البيهقي ( طلب فضول الدنيا عقوبة , عاقب الله بها اهل التوحيد ) .
وبسند البيهقي عن الربيع بن سليمان يقول : قال لي الشافعي : ( يا ربيع عليك بالزهد فالزهد على الزاهد احسن من الحلي على المراة الناهد ) !! 
 وفي معنى غنى النفس يقول :
اذا شئت ان تحيا غنيا فلا تكن 
                               على حالة الا رضيت بدونها

ولقد كان الامام الشافعي اماما في السلوك الصوفي ومصدرا لائمة الصوفية .
  فقد روى البيهقي بسنده عن سيد الطائفة الصوفية مولانا الامام الجنيد انه سمع يقول : ( كان الشافعي من المريدين الناطقين بلسان الحق في الدين , وعظ اخا له في الله عز وجل وخوفه باسه فقال : يا أخي ان الدنيا دحض مزلة ودار مذلة عمرانها الى الخراب  صائر , وساكنها الى القبور زائر , شملها على الفرقة موقوف , وغناها الى الفقر مصروف, الاكثار فيها اعسار والاعسار فيها  يسار , فأفزع الى الله تعالى  وارض برزق الله . لا تستلف من دار بقائك في دار فنائك فان عيشك فيء زائل وجدار مائل , اكثر على عملك  , وقصر من املك ) .
 ليت شعري اي لسان هذا سمى لسان العارف بالله المعرض عن الدنيا والامل في الاخرة ؟
ويروي البيهقي بسنده عن الحسين بن يزدان البصري عن بعض شيوخه قال : ( كان الشافعي في مجلس سفيان بن عينية يسمع منه الحديث , اذا مر به حديث فيه رقائق فبكى الشافعي حتى أغمي عليه , قال : فقال الناس : قد مات محمد بن ادريس الشافعي , فقال سفيان بن عينية , ان كان محمد بن ادريس قد مات فقد مات افضل اهل زمانه ) !!
لقد بلغ الاخلاص في قلب مولانا الشافعي الى حد انه كان يقول – كما روى الامام الشعراني -  وددت ان الخلق تعلموا هذا العلم على ان لا نسب إلي منه حرف ) يقول الامام الشعراني – قال شيخنا شيخ الاسلام ابو يحيى زكريا الانصاري وقد أجابه الحق الى ذلك فلا يكاد يسمع في مذهبه الا مقالات اصحابه قال الرافعي , قال النووي , قال الزركشي ونحو ذلك . أ.هـ.
 ومن أقوال الامام الصوفية الحكيمة : ( من أحب أن يفتح الله عليه بنور القلب فعليه بالخلوة وقلة الاكل وترك مخالطة السفهاء , وبغض أهل العلم الذين لا يريدون بعلمهم الا الدنيا ) .
 وكان يقول ( لا بد للعالم من ورد اماله يكون بينه وبين الله تعالى ) وذكر الامام الشعراني ان مولانا الشافعي كان يقول ( صحبت الصوفية عشر سنين ما استفدت منهم الا هذين الحرفين ( الوقت سيف , وافضل العصمة الا تجد ) .
وفي ذلك نص صريح على صحبته للقوم .
واما ما استفاده منهم فهو قضاء الانفاس في طاعة الله تعالى وعدم امساك الدنيا درءا لحبها .
ثم ختاما يحدثنا الامام القشيري عن بعض المقامات التي وصلها امامنا الشافعي فيروي بسنده عن بلال الخواص يقول : كنت في تيه بني اسرائيل فاذا رجل يماشيني فتعجبت منه ثم الهمت انه الخضر عليه السلام فقلت له  بحق الحق من أنت ؟ فقال : أخوك الخضر , فقلت له : أريد ان أسألك , فقال سل ؟ فقلت ما تقول في الشافعي ؟ فقال : هو من الاوتاد _ اي الرجال الاربعة الذين يحفظ الله بهم جهات العالم الاربع – فقلت ما تقول في احمد بن حنبل ؟ قال رجل صديق ) . أ.هـ .
 رضي الله عنك يا سيدي يا أمام الشريعة والحقيقة يا مولان الامام الشافعي ورضي عنا بك وجعلنا في زمرتك في الدنيا ويوم الدين وصلى الله على سيدنا محمد كلما ذكره الذاكرون وغفل عن ذكره الغافلون .


المصدر : من كتاب بحار الولاية المحمدية في منافب أعلام الصوفية . للاستاذ الدكتور جودة محمد ابو اليزيد المهدي , ص179-ص194.
الرجوع الى بداية الصفحة     نسخة للطباعة
الاسم: لؤي      البلد: العراق       التاريخ: 21-11-2011
من اقوال الأمام الشافعي(لو انا المرتضى ابدا محله لخر الناس سجدا له\يموت الشافعي وليس يدري علي ربه ام ربه الله) ويقول(يا اهل بيت المصطفى حبكم من فرضن من الله بلقران انزله \كفاكم من عضيم الشئن من لم يصلي عليكم لا صلاة له ) شكرا

الاسم: yaseen ال      البلد: Iraq       التاريخ: 30-08-2012
رضي الله عن كاتب هذه المقاله



ونفعنا ببركته*****وبركه جده


المصطفى صلى الله عليه واله وصحبه
وسلم تسليما



المريد يس الشافعي ******************
*********************************************************************************************************


أضف تعليقا
الاسم
البلد
البريد الالكتروني
التعليق
اكتب الارقام الظاهرة في الصورة